المظاهر الصوفية في كرن. الحلقة الأولى

 


لا يستطيع كاتب يكتب في شأن مـن شـؤون الإرتريين أن يتجاوز المحنة التي يعاني منها أبناء هذا الوطن في الداخل والخارج فقد توالت عليه النكبات والمحنة التـي أقضت مضاجع المخلصين من أبنائه
كما أن كرن بقيت إلى حين وجودنا فيها أحد أهم معاقل الطريقة الختمية، بالإضافة إلى مصوع، وأغردات، حيث يضم ثراها جثمان الزعيم الروحي للرابطة الإسلامية السيد بكري، بن السيد جعفر المرغني، رحمهما الله. استنتاجا مما قرأته في كتاب (طائفة الختمية أصولها التاريخية وأهم تعاليمها) للدكتور أحمد جلي، أن الطريقة المرغنية، دخلت إرتريا، عبر شرق السودان، مواطن قبائل البجا، (الهدندوا، والبني عامر)، حيث تولى أمر نشرها والقيام على شأنها، بين قبائل الشرق السيد الحسن بن السيد محمد عثمان المرغني رحمه الله، وذلك حين أوفده، والده مؤسس الطريقة الختمية، محمد عثمان المرغني، رحمه الله، من مكة المكرمة، إلى شرق السودان، فأسس قرية الختمية، في مدينة كسلا، وأقام بين ظهراني البجا، والحلنقة، ينشر فيهم طريقة أبيه، حتى توفاه الله عام 1896 م، ثم خلفه عليها ابنه محمد عثمان تاج السر، المتوفى عام 1886 م رحمهم الله جميعا. لكن الدكتور بيان صالح يعيد دخولها إلى إرتريا، إلى عام 1827 م، ويذكر في رسالته العلمية ( الدعوة الإسلامية في إرتريا) أن الشيخ محمد عثمان المرغني نفسه، رحمه الله دخل إرتريا ” عن طريق مصوع، ومكث فيها عامين، ونشر فيها الإسلام بين آلاف من النصارى، والوثنيين، وانتظموا في طريقته، وبعد فترة أخرى عاد إلى إرتريا، عن طريق السودان، وأسلم على يديه عشرات الألوف، في أشهر معدودات، ثم عاد إلى مكة المكرمة، بعد أن أبقى فيهم خلفاءه…”. وأحال الدكتور بيان صالح هذه المعلومة إلى كتاب (الإسلام في إثيوبيا) للكاتب الغربي (تريمنجهام)، وهذا ما يؤكده أيضا خليفة الخلفاء الفكي أحمد بن الخليفة عبد الله، فقد ذكر عنه ابنه عبد الفتاح أن السيد محمد عثمان المرغني وصل مصوع، ثم (لبكة) بالساحل، ومر بكرن، بعد ذلك أرسل خلفاء شمال السودان إلى كرن الخليفة عبد القادر الكنزي، الذي افتتح خلوة القرآن الكريم، ثم لحقه الخليفة مكي محمد أو (حمد)، ثم الخليفة الفكي أحمد، والد الخليفة عبد الله، وجد خليفة الخلفاء الفكي أحمد. ولغرض دعوي كان هؤلاء الخلفاء يصاهرون القبائل النصرانية، بغية التأثير فيها، وكسبها إلى الصف الإسلامي، في تنافس حميم مع الإرساليات التنصيرية الإيطالية، المدعومة من المستعمر الإيطالي، وبهذا أضحت الطريقة المرغنية جزءا من النسيج الثقافي لمسلمي إرتريا، وصار لها على وجه الخصوص، وجود ثقافي مؤثر، بين قبائل البني عامر، والهدندوة، والحلنقة، عبر امتدادهم الجغرافي، من السودان إلى إرتريا، حيث طبعت وعيهم الديني بطابعها الصوفي، واستحوذت على كامل ولائهم، لبيت المرغني، متخذة من كسلا، وأغردات، وكرن، ومصوع، عواصم انطلاق، وانتشار بين كافة فئات المجتمع الإرتري. واستقر بمصوع السيد هاشم بن السيد محمد عثمان المرغني، رحمه الله، بعد أن جاءها مبعوثا من والده بمكة، وله ضريح يزار بقصد التبرك، وفيه قال الفنان الأمين عبد اللطيف: (ضريح سيدي هاشم تتكللوا…) ومعنى (تتكللوا) تطوفوا، ومعلوم دينا أن الطواف خاص بالله وحده، عند الكعبة المشرفة فقط، ولكن الفنان ابن بيئته، لا يعكس إلا ما يراه ماثلا أمام عينيه، والفن مرآة لثقافة المجتمع.. وطبقا لما ذكره الدكتور عبد العزيز، الاستاذ بجامعة أفريقيا العالمية، بالخرطوم، في كتابه (أهل بلال): أن السيد هاشم ” ولد بمكة المكرمة… وتوفي في 2 جمادى الثانية عام 1319 هـ/1895 م ودفن بقرية حطملو، على أطراف مصوع، وترك أربعة من الأولاد، والبنات، هم: السيد محمد عثمان، والسيد جعفر، والسيدة مريم، والسيدة علوية”. بالإضافة إلى مصوع توزع آل المرغني في أكثر من مدينة إرترية، فقد سكن أغردات السيد محمد عثمان المرغني، بينما سكن كرن السيد جعفر المرغني، وحسب كلام الدكتور عبد العزيز في كتابه أهل بلال “تزوجت السيدة علوية من ابن عمتها محمد صالح باعلوي المكي، ثم وقع بينهما خلاف، وطلقها لطلبها…”. أما السيدة مريم فأظنها استقرت في سواكن، ثم سنكات. بهذا وصلت الطريقة الختمية، بين هذه المدن، والحواضر، بوصال صوفي، ورابط ثقافي، أوجدت به، بين هذه المدن، تلاحما ثقافيا، وفكريا، وتأثيرا متبادلا، وهو أمر ما زلنا نلحظه، وسيبقى هذا التلاحم الثقافي، أيا كان نوعه، ما بقيت هذه القبائل، والشعوب، تعمر هذه المنطقة، بمختلف ثقافاتها، ومعتقداتها. وأول من استوطن كرن من بيت المرغني، وتولى رعاية الطريقة الختمية فيها، هو السيد جعفر المرغني، رحمه الله تعالى، ثم خلفه عليها ابنه السيد بكري المرغني، ثم ابناه السيدان إبراهيم، وعبد الله المرغني، ثم الآن ابناهما السيد بكري، بن السيد إبراهيم، والسيد اسماعيل، بن السيد عبد الله، بارك الله في الأحفاد، ورحم الآباء، والأجداد. 
الختمية ودورها الثقافي في كرن. 
كغيرها من الطرق الصوفية، نشرت الطريقة المرغنية ثقافة صوفية، بين المجتمع الإرتري، وصار لها أتباع، ومريدون، وتكايا، وزوايا، في كثير من المدن، والريف الإرتري، تؤدى فيها الصلوات، وتنشد فيها المدائح النبوية، وتقام فيها ليالي قراءة المولد النبوي، وبالطبع كرن واحدة، من هذه المدن التي عرفت هذه الثقافة الصوفية، على الطريقة الختمية، وكان قرآن سيدنا بلال رحمه الله، في دائرة السيد جعفر المرغني أحد أقدم الخلاوي القرآنية، في مدينة كرن، ومهما كانت المآخذ على هذه الثقافة، ووجاهة النقد الموجه إليها، على أسس شرعية معتبرة وصائبة، فإن النظر إليها وتقويمها، من الزاوية السلبية فقط، أمر لا يستقيم ومنهج النقد الإسلامي، من هنا يلزم النظر إليها من جميع جوانبها، وفي إطار الظرف الزماني والمكاني الذي وفدت فيه، وساعتها سنجد أنها أسهمت بشكل عام، بشيئ من الإسهامات الإيجابية، المقدرة، والمعتبرة، في الدعوة إلى الله بين القبائل الوثنية، والنصرانية، وربط وجدان المجتمع بالعاطفة الإسلامية، وفي وصل الإنسان المسلم بالأدب العربي، عبر تذوق صنف من أصنافه، وهو الأدب الصوفي، ممثلا في المدائح النبوية، وبالرغم من أن كثيرا من هذه المدائح، لا يخلو من الغلو والإطراء، في ذات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وآل المرغني، على نحو يتنافى وتعاليم الدين، وأيضا على الرغم من أن كثيرا ممن يطربون لسماعها، من شعبنا، لا يعون مفهومها، ولا يدركون معانيها، إلا أنها من الناحية الإسلامية، أوجدت للإسلام موطأ قدم، في مجتمعات نائية، وقبائل وثنية، في المحيط الإرتري، وحافظت على إسلام فيه دخن، وخلل، وهذا خير من انتفاء الإسلام، وغيابه نهائيا، عن هذه القبائل، بسبب الهجمة التنصيرية، التي استهدفت القبائل الإرترية، في عهد الاستعمار الإيطالي، والانتداب البريطاني، ونجحت في تنصير فئات من قبائل المنسع، والسنحيت. على أساس من هذا الوجود الإسلامي تبني اليوم حركة التجديد الإسلامي المعاصرة نشاطها، لتصحح المسار، وتوجه الناس نحو الصواب، الأمر الذي يعني بأن الدعوة الإسلامية في إرتريا هي عبارة عن جهود متراكمة فوق بعض، وأن الطريقة الختمية بما قدمت من نشاط دعوي واحدة من هذه المجهودات المقدرة، وأن كل جيل من الدعاة يجدد ما بناه الجيل السابق، من غير أن يهده هدا، وينفيه كاملا، وأن كل الذين جددوا اليوم في أنفسهم مفاهيم الدين، على وعي بنصوص الكتاب والسنة، وهدي السلف الصالح، لا بد أن يكونوا قبل ذلك مروا إما بذواتهم، أو بأصولهم، وأجدادهم، بسلوك الطريقة الختمية، ونهجها الصوفي، لأن الله تعالى هدى أجدادهم الأوائل، من الوثنية، والكفر، إلى الإسلام، ودين التوحيد، على يد دعاة هذه الطريقة، لكن لا يعني هذا أن كل ما لقنته الطريقة الختمية لهؤلاء الأجداد، وما جاءت به من تعاليم، صحيح وصواب، يجب التسليم به، وعدم التعرض له بالنقد والرد، والمراجعة العلمية، والفكرية. وكان لرموز هذه الطريقة من آل المرغني، وتأثير ثقافتها، دور محمود في العمل الوطني، من العدل والإنصاف أن يحفظ لهم ويذكر، حيث حازت كرن شرف تأسيس الرابطة الإسلامية حين وجهت رسائل الدعوة لتأسيسها، باسم السيد بكري المرغني، ونظرا للولاء العاطفي، والوجداني، لبيت المرغني، استجاب لها الجميع، وتوافدوا لحضور المؤتمر التأسيسي للرابطة، وتبوأ السيد بكري المرغني زعامتها، وإن فارقها لاحقا. وفي عهد الاستعمار الإثيوبي كان للسيد عبد الله المرغني ـ رحمه الله ـ وجاهة لدى الإدارة الإثيوبية في كرن، وكثيرا ما كان يوظف وجاهته هذه للتوسط، لدى هذه الإدارة، إذا ما اعتقلت مواطنا من مواطني كرن، بتهمة سياسية، ولهذا كان رحمه الله ملجأ كل أب، أو أسرة تبتلى، بمثل هذه الابتلاءات، وإليه يرجع الفضل بعد الله، في دفن موتى نكبة عونا، في السبعينيات، جعل الله ذلك في سجل حسناته، وأثابه عليه. أما من الناحية الأدبية فقد غرست الثقافة الصوفية الختمية، في نفوس المسلمين تعلقا بالقصيدة العربية، وتذوقا لأدائها، ولو على سبيل الطرب، وهذا في حد ذاته نمط من أنماط الارتباط الوجداني، العاطفي، باللغة العربية، ووسيلة من وسائل توطينها، وتعميم نتاجها الأدبي، في وسط اجتماعي، عانت فيه الثقافة الإسلامية، واللغة العربية، وما زالت تعاني، من عزلة، ومطاردة ثقافية، من أنظمة الحكم الشيفونية، المتعاقبة، إلى يومنا هذا. 
أهم مظاهر الثقافة الختمية في كرن.
من أهم مظاهر الثقافة الصوفية، التي رعتها الطريقة المرغنية في كرن، وأسست عليها نشاطها الصوفي، في التفاعل مع المجتمع، وربطه بمفاهيمها للدين ما يلي:ـ. 
الإلتزام بقراءة الراتب والأذكار اليومية. بجانب قراءة كتاب المولد النبوي كل يوم الاثنين ثمة التزامات أخرى، يقوم بها مريدو الطريقة المرغنية، من ذلك قراءة الراتب، وهو عبارة عن أدعية، وأذكار، وصلوات على الرسول صلى الله عليه وسلم، من هذه الصلوات، قولهم: (أفضل الصلاة على أسعد مخلوقاتك…) لا بد أن يرددها الحضور، عقب أداء كل فريضة مكتوبة، بصوت جماعي، وأيضا في المناسبات الاجتماعية، والثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه علم أصحابه الصلاة الإبراهيمية، والتي وردت بصيغ متعددة، منها قوله صلى الله عليه وسلم، كما في رواية مسلم: (اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد، وآل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) تقال بعد التشهد في الركعة الأخيرة، من كل فريضة، ونافلة . ما معنى الحولية؟ وكيف كانت تقام حولية السيد بكري المرغني بكرن؟ هذا ما سنعرض له في الحلقة القادمة، فتابع معنا مشكورا. وكتبه/ الدكتور جلال الدين محمد صالح لندن28/5/2005

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *