المظاهر الصوفية في كرن الحلقة الأخيرة بقلم / د.جلال محمد صالح



في البدء استسمح القارئ الكريم أن أدخل إلى موضوع هذا العنوان الذي أعيد نشره مع شيئ من التوسع، بمناسبة العام الهجري الجديد 1427 بهذه المقدمة التمهيدية
وطعنا في السادة والأسياد، وموقف آخر موغل في المعاداة، ومتطرف في الكراهية، لا يرى التصوف إلا وكر شرور، ومنبت انحراف في الدين، فما هو التصوف أولا؟  ومتى ظهر ثانيا؟ وما الموقف منه ثالثا؟ التصوف ظهر أول ما ظهر بالبصرة، في القرن الثاني الهجري، من أناس رأوا في الإقبال إلى ملذات الحياة منقصة يأباها الدين ويمقتها، واتجهوا إلى الانعزال، للذكر، والعبادة، وعرفوا في تاريخنا الإسلامي بـ(اسم الصوفية والمتصوفة). وجاءت كلمة الصوفية من النسبة إلى لبس الصوف، وهذا اختيار أبو طالب المكي الصوفي، وإليه يميل ابن خلدون في مقدمته، أما معناه فقد تعددت تعريفات الصوفية له، إلى حد تجاوزت فيه ألف قول ـ كما يقول السهروردي وهو من مشايخ الصوفية، توفي ببغداد سنة 632 هـ ـ. منها قول الشيخ أبي الحسن النوري، وهو من أجل مشايخ صوفية عصره، توفي عام 295 هـ حيث يقول: ” التصوف تَـرْكُ كل حظ النفس”. أما ابن القيم فيعرفه بقوله: التصوف زاوية من زوايا السلوك الحقيقي، وتزكية النفس وتهذيبها، لتستعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى، ومعية من تحبه…” انظر: مدارج السالكين 2/317 والموقف المعتدل من التصوف هو ما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 11/17ـ18 بقوله : ” طائفة ذمت الصوفية والتصوف، وقالوا: إنهم مبتدعون، خارجون عن السنة، ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف… وطائفة غلت فيهم، وادعوا أنهم أفضل الخلق، وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفي هذه الأمور ذميم، والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم، من أهل طاعة الله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، ومنهم من يذنب فيتوب، أو لايتوب. ومن المنتسبين إليهم طوائف من أهل البدع، والزندقة، ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم، كالحلاج مثلا، فإن أكثر مشايخ الطرق أنكروه وأخرجوه عن الطريق، مثل الجنيد بن محمد، سيد الطائفة…” والتصوف في كرن خاصة، وفي إرتريا عامة، ليس معقدا كما هو في السودان، يمكن إصلاحه، وتصويبه، بأيسر السبل، لأن كثيرا من أتباع الطريقة المرغنية، والمتطرقين بها إنما يسلكون مسلكها، على سبيل التقليد، وليس على أساس من الفهم، والإدراك. والحوار بالتي هي أحسن، والإقرار بالمحاسن لكل طريقة صوفية، مع نقد ما فيها، من مخالفات مناقضة للعقيدة الإسلامية، يصحح المسار، ويوجه الناس، وجهة صالحة، كما أن إقبال الشباب الإرتري المسلم إلى التصوف أضحى اليوم في حكم المعدوم، وأن جلهم بات يعاني من أزمة وعي، للإسلام وثقافته، وصار عرضة لنهب ثقافي، من تيارات الردة، والانحراف الفكري. نحو انطلاقة ثقافية من كرن. لا أظن ثمة مانع يحول دون إقامة مهرجان إسلامي، ثقافي، جامع، تلتقي فيه كل الفعاليات الثقافية، لتعرض فيه نتاجها الثقافي، والفكري، عبر ندوات فكرية، ونشاطات تراثية، وإبداعات أدبية، ومطارحات شعرية، يشارك فيه المسلمون، وغير المسلمين، على أساس من احترام القيم الدينية، والحوار الفكري، والديني، تكون له أهداف اجتماعية، ورياضية، وإنسانية، من خلاله يكون تواصل بين المدن الإرترية، وتعارف بين أدباء اللغة العربية، وغير العربية، ومفكروا الثقافة الإسلامية، وغير الإسلامية، ويكون ساحة ترويح مباح، فإن الإرتريين أناس يحبون اللهو، كما يكون سا حة حوار ديني، بين مختلف العقائد الدينية، لترسيخ وتثبيت قوائم التعايش الوطني، وللتعرف على ما لدى الآخر، من نقاط إيجابية، ويكون منطلقا لإزالة كل ما من شأنه أن يبدد تلاؤم وتعايش المجتمع الإرتري، بشتى مذاهبه الفكرية، والدينية. كرن مؤهلة في اعتقادي لتكون منطلق هذا المهرجان، لما لها من رصيد تجربة حولية السيد بكري المرغني، التي جمعت بين كرن، ومصوع، وأدارت نشاطا صوفيا، كبير الحجم، ومتنوع الفعاليات، ثم لا بأس أن ينتقل هذا المهرجان من مدينة إلى أخرى، كل عام، في تطور مستمر. في هذا المهرجان تكون الدائرة أوسع، لتشترك فيه كل المدن الإرترية، والبرنامج أشمل، لكل إنتاج الثقافة الإسلامية، وعطائها الأدبي، والفكري، والمجال أرحب للتحاور، والتجادل بين كل المعتقدات الدينية، والفكرية، ذلك ما نرجوه أن يكون في مناخ من الحرية، يسود قريبا، وفي غياب واختفاء النهج الشيفوني، وسياساته الأمنية القمعية، الإسكاتية، التي لا ترضى من غير صوتها، صوتا يعلو، ولا فكرا يطرح. وكتبه/ الدكتور جلال الدين محمد صالح لندن 16/6/2005

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.