اللامركزية الدستورية بقلم / محمد عمر مسلم


يعيش شعبنا الإرتري هذه الأيام ذكرى استقلال بلاده وخروج واندحار المستعمر بعد تلك المجاهدات والتضحيات الجبارة التي قدمها شعبنا زهاء ما قارب الثلاثين بل فاقها إذا أضفنا إليها مرحلة الكفاح السلمي أو السياس

إستيعاب سلوك المجتمع وأنماط علاقاته الاجتماعية التي تنطلق من عقائد وقيم وثقافة مكوناته، و على قوى المعارضة مجتمعة العمل للتغلب على ظلم واستبداد النظام وأطماع الخارج، ولا يمكن تحقيق ذلك ما لم يكن لدى قوى المعارضة، الإرادة السياسية والنظرة الواقعية للأمور، على قاعدة المصالحة الوطنية والشراكة الحقيقية، ومبدأ العدل والمساوات في الحقوق والواجبات، فالمطلوب في هذه المرحلة من قوى التحالف الديمقراطي حراكا سياسيا شاملا حشدا وجمعا لطاقات الأمة باءتجاه تحقيق أهدافها العليا. الفترة الماضية كانت حافلة بعقد المؤتمرات لقوى المعارضة، منها حركة الإصلاح التي تبنت في مؤتمرها الرابع اللامركزية الدستورية نظاما للحكم، كما تبنى المجلس الثوري في مؤتمره السادس اللامركزية، دون بيان معالمها مكتفيا بالتوصيف الذي ورد في مقال مكتب الثقافة والإعلام تحت عنوان من قرارات المؤتمرالوطني العام السادس بتأريخ 2 / 9 / 2006م في موقع التنظيم (www.nharnet.com (( — ولا شك أن شعبنا سوف يدعم ويشيد بهذا الطرح القائم على النظام اللامركزي للحكم والذي يبدأ بتوزيع السلطة من أسفل الوحدات في القرية أو المدينة مرورا بالمحافظة فالإقليم والدولة — ) المجلس الثوري يصف في هذا المقال مخالفيه في الرأي في بالتطرف وعدم الأهلية والقدرة لحل مشكلات الشعب، وهو أمر يتنافى مع روح إحترام الرأي الآخر. في البداية جميل جدا أن تدندن قوى المعارضة حول اللامركزية، والأجمل من ذلك أن تتبناها القوى المؤثرة والفاعلة في مقاومة النظام الطائفي كحركة الإصلاح الإسلامي، والأروع أن يتبنى التحالف الديمقراطي اللامركزية الدستورية للحكم، هذا الاجماع حول اللامركزية من قوى المعارضة مؤشر جيد عن جدية المعارضة للوصول إلى صيغ سياسية ودستورية تمنع حدوث الصراع مستقبلا، وتعالج في نفس الوقت أثارالممارسات والسياسات الطائفية التي دمرت المجتمع الإرتري، المجلس الثوري ذكر في مقالته السابقة ( فإن من يبالغون في تضخيم التنوع والاختلاف ويعملون على حك وإدماء الدمامل التي خلفتها أخطاء الماضي ليقنعوا الناس أن الشعب الإرتري غير قابل للتعايش، هؤلاء أيضا لا يملكون أي قدر من الأهلية لحل مشكلات شعبنا ) وأنا أقول أن التنوع والاختلاف حمل البعض على الظلم والاستبداد والاستحواذ على السلطة والثروة، فالاختلاف لم يعد إختلاف تنوع، بل صاراختلاف تضاد وتصارع ترك الكثير من الجراح والدمامل الملتهبة في المجتمع، والمطلوب من المعالج هو إدماء تلك الدمامل وإخراج ما فيها وتنظيفها ومداوات الجراح، لا أن تهمل وتترك بحجة أنها بسبب أخطاء الماضي، لأن ترك ما خلفته الممارسات والسياسات الدكتاتورية الطائفية من مظالم إجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية دون معالجة حقيقية قد يكون في المستقبل سببا في تجدد الصراعات والصدامات بين مكونات المجتمع، وخلاصة القول لا بد من الحك والإدماء لتلك الدمامل علاجا وتطهيرا وتسوية، وإن كان في ذلك ألم للبعض عليهم التحمل من أجل المصلحة العامة والمصالحة الوطنية ومن أجل مجتمع خال من الدمامل. ولعل الذي حمل قوى المعارضة بأطيافها المختلفة على تبني اللامركزية للحكم، هو تفهم طبيعة الصراع ومخرجاته على الساحة الإرترية. المشكلة في إرتريا صراع هويات وثقافات وخصوصيات، وسلطة وثروات ، وهذا الصراع كان أقوى في كثير من الأحيان من الروابط الوطنية في تحديد العلاقة بين مكونات المجتمع وتحديد مواقفها من القضايا الوطنية، فتجد العلاقة مشوبة بعدم الثقة والتنافر، وتجد المواقف كثيرا ما تباينت حتى في قضايا الوطن، وقد عمق المستعمر الإثيوبي هذا الشرخ في المواقف باستقطابه القومية النصرانية على حساب القوميات الأخرى، مما جعل من تلك القومية شريكا للمستعمر في بعض جرائمه ضد الشعب الإرتري، كذلك إرتكاب النظام الطائفي جرائم الإقصاء والتهميش والاستئثار بالسلطة والثروة وطمس الهويات والتعدي على خصوصيات القوميات الأخرى، كل ذلك كان بمثابة القشة التي قصمت ما كان متبقيا من الثقة بين القوميات والقومية الحاكمة الآن، وبهذا خيبت القومية المستأثرة بكل شيئ الآمال مجددا بتنكرها وتهميشها وهضمها حقوق القوميات الأخرى بعد الإستقلال، وهو ما حمل بعض القوميات لحمل السلاح ضد النظام الطائفي سعيا لرد الحقوق المغتصبة والحرية المسلوبة والكرامة المهدرة، وما دام الحال وصل إلى هذا الحد من التدهور في العلاقات والثقة بين مكونات المجتمع، كان لا بد من البحث جديا عن حل يضمن وحدة البلاد أرضا وشعبا ويحل مشاكل الإقصاء والتهميش والاستئثار بالثروة والسلطة وطمس الهويات والخصوصيات من قبل الطرف الحاكم. هناك العديد من أنماط الحكم اللامركزي ، تختلف باءختلاف مصدر نشأتها، ونوع وحجم الصلاحيات الممنوحة، ودرجة إستقلالها عن السلطة المركزية في ممارسة الصلاحيات الممنوحة، اللامركزية الدستورية تنشأ بموجب الدستور، فهو مصدر قوتها ، بعكس اللامركزيات الأخرى التي تنبثق من قوانين برلمانية أوأوامر إدارية مما يجعلها تخضع لقهرالأغلبية البرلمانية، وسطوة السلطة المركزية، بينما اللامركزية الدستورية في منأ ومأمن من ذلك كله لأنها مصانة بالدستور الذي يعتبر أقوى المصادر التشريعية في الدولة، فمواده محمية دستوريا من التغير أوالتبديل، وإن كان ولا بد فيكون ذلك على أعلى المستويات وتحت إجرآت قانونية معقدة ومتشابكة تمثل ضمانة وقوة للامركزية الدستورية، كما أن حجم ونوع الصلاحيات الممنوحة يكون أوسع في اللامركزية الدستورية عن غيرها من اللامركزيات الأخرى، كما أن الولايات في ظل اللامركزية الدستورية تتمتع بدرجة عالية من الإستقلالية عن الحكومة المركزية ، بعكس اللامركزيات الأخرى التي تخضع لتدخل ورقابة السلطة المركزية. اللامركزية الدستورية تعتبر من أفضل الحلول لمنع الانفصال والصراع بين مكونات المجتمع المختلفة، كما تحافظ على وحدة الأرض والشعب، وهناك العديد من الدول من أخذ باللامركزية الدستورية، على سبيل المثال كندا وبلجيكا، علما أن القوميات فيهما لم تتعرض للقمع والصهر في الهوية الحاكمة، كما هو الحال في بلادنا، فمن باب أولى أن يؤخذ باللامركزية الدستورية في مجتمعنا الذي يعاني من صراع القوميات وعدم تجانسها، واللامركزية الدستورية تحفظ البلاد من الانقسامات بحفظها الخصوصية والهوية والثقافة والديانة لكل مجموعة مهما كانت صغيرة، بل وتعطي للأقلية في وسط الأكثرية حق النقض ضد أي قرار يمس حقا من حقوقها، وبهذا يكون الحد من سطوة ودكتاتورية الأغلبية ضد الأقلية أينما وجدت، اللامركزية الدستورية تحقق التوازن بين السلطة المركزية، والسلطات المحلية، وتقضي على ظاهرة التسلط والدكتاتورية. التقسيم في اللامركزية الدستورية، يأخذ في الاعتبار التجانس والتقارب في الخصوصيات بين القوميات، كما لا ينظر للتقسيم الجغرافي بأهمية ما لم يحقق التجانس والتقارب المطلوب بين مكونات الولاية، والتقسيم الجغرافي كثير ما يعمل به عند تجانس السكان في كثير من الخصوصيات. بناء على ماسبق تعتبر اللامركزية الدستورية أنسب الحلول التي يمكن تبنيها لأنها كانت الحل الأمثل لإنهاء الصراعات ومنع الانقسامات في كثير من الدول التي ابتليت بتركيبة سكانية غير متجانسة، كما تحظى بالقبول العالمي لارتباطها الوثيق بالمشروع الديمقراطي المطروح عالميا اللامركزية الدستورية سوف تقلل من نقاط الاحتكاك بين مكونات المجتمع، وهو أمر مهم للتعايش السلمي، وسوف تمنح مساحة كبيرة من الاستقلال والصلاحيات للقوميات في إدارة شؤنها، والحفاظ على هويتها وخصوصيتها، وتخلق جوا من التنافس الإيجابي بين مكونات المجتمع من خلال تنشيط وتفعيل الطاقات والإمكانات المتوفرة في كل ولاية، كما أن الكثير من اللأت والاعتراضات التي نسمعها من بعض الأطراف في التحالف الديمقراطي سوف تختفي لأن الكثير من نقاط الاختلاف سوف تحسم دستوريا، وهذا بدوره سوف يريح الجميع في التعامل والتعاطي فيما بقى من نقاط الاحتكاك الذي تفرضه طبيعة التعايش بين مكونات المجتمع، اللامركزية الدستورية هي الرد المناسب على المشروع الطائفي والنزعة الدكتاتورية التي تسعى للإستئثار بكل شيئ ، والرافض لللامركزية الدستورية ينطلق من أحد أمرين إما جهل مركب لمفهوم اللامركزية الدستورية، أو يرى فيها ضربا لمصالحه واطماعه الذاتية، فالأول يحتاج إلى جهد وصبر لرفع الجهل عنه، أما الثاني علينا كشف امره للناس حتى لايلدغ شعبنا من جحر مرتين . أما اللامركزيات الأخرى سواء كانت إدارات محلية أو إقليمية ، بأنواعها المختلفة ما هي إلى حيل الأنظمة غير الديمقراطية والدكتاتورية للتنفيس عن الشعوب، فالنظام الطائفي يديرالبلاد باللامركزية، كوسيلة للهيمنة والسيطرة على الشعب ومقدرات البلاد وأنشأ لذلك منصب وزير الحكومات المحلية، فهناك اليوم المجالس والحكومات المحلية الوهمية الصورية، وكلها أزرع طويلة لمركزية النظام، لذلك لا أرى جدوى من اللامركزيات المحلية أو الإقليمية ، وذلك للتدخل المباشرفي عملها من قبل السلطة المركزية، ولعل اللامركزية التي ينادي بها المجلس الثوري من حيث الجوهر لا تختلف في طبيعتها وهيكليتها وصلاحيتها عما هو قائم الآن في البلاد، فهم تحدثوا عن اللامركزية تعميما وإبهاما وتجنبوا التفصيل حتى لا تنكشف حقيقة ما يدعون إليه، ومن متابعتي لتنويرات وكتابات قيادات التنظيم ، فهم مع اللامركزية التي تدار من قبل السلطة المركزية، ليضمنوا سياسة حشر الأنوف من خلال السلطة المركزية، فيما يخص شؤون القوميات، ورفضهم للامركزية الدستورية نابع من كونها لا تتيح ممارسة سياسة حشر الأنوف في شؤون القوميات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.