من رحم المعاناة يخرج جيل النصر المنشود ! دروس من الهجرة النبوية بقلم / علي محمد سعيد



المتتبع لتفاعلات الأحداث السياسية تاريخاً وصيرورة وتشعباً في منطقة القرن الأفريقي يجد صعوبة بالغة في التكهن بمجرياتها وتوقع مآلاتها بيد أني سأحاول تلمس هذه التفاعلات من خلال الوقوف عند بعض المعطيات والاحداث .


أولا: التحية لأهلنا في غزة لصمودهم في وجه اليهود المعتدين الغاصبين , والخزي والعار للنظام العربي الرسمي المتخاذل , وتقبل الله الشهداء . 
ثم ان المرء ليتعجب وهويقرأ سيرة المصطفي صلي الله عليه وسلم بدءا بميلاده وما حدث فيه من المعجزات , ثم ماحدث له من اليتم وكيف كانت حياة النبي صلي الله عليه وسلم مع مصيبة اليتم في مرحلة الطفولة ؟ ومن بعد ذلك مرحلة بدء القيام بمهمة الدعوة والرسالة ليكون خاتم النبيين وداعيا الي الله بإذنه وسراجا منيرا . 
وما تخلل ذلك من أحداث عظام جديرة بأن يتأملها كل مسلم غيور علي دينه خاصة الدعاة الذين ينشدون التغيير ويتحملون تبعات الرسالة المحمدية . 
إلا أنه لما كانت حياة النبي صلي الله عليه وسلم كلها دروس وعبر لسالكي طريق التغيير سأختصر الحديث عن الهجرة النبوية وذلك لمناسبة المقام , إذ أننا نستشرف عاما هجريا جديدا نرجوا أن يكون عام خير وبركة للإسلام والمسلمين والشعب الارتري عموما وبما أن موضوع الهجرة النبوية كله درس وعبر فإنني سأحاول تناوله من زوايا حركية تنظيمية وهي في المقام الأول تربوية لأنه ذو صلة بمسيرتنا الجهادية وحتى تسهل المتابعة فإنني قسمت الموضوع إلي ثلاثة فقرات أساسية : 
1. أهم الأحداث ماقبل الهجرة وحال الدعوة في مكة في هذه المرحلة 
2. حدث الهجرة ودور الأنصار فيه 
3. ماذا نستفيد من الهجرة في المسيرة الجهادية التغييرية ؟ 
لعل أبرز ما يمكن ذكره في أحداث ماقبل الهجرة : وفاة خديجة رضي الله عنها زوج النبي صلي الله عليه وسلم والتي كانت من أهم الأركان والدعائم التي كانت تشد من عضده في تلك الظروف الصعبة. 
وكذلك وفاة عمه أبي طالب في العام الذي توفيت فيه خديجة رضي الله عنها ويذكر إن وفاتهما كانت قبل الهجرة ب (3) سنوات 
وبعد وفاة عمه أبي طالب الذي كان يشكل حماية للدعوة ضد قريش تعرض النبي صلي الله عليه وسلم للعديد من المضايقات بل الأذى الجسدي والمعنوي الشديدين قال صلي لله عليه وسلم : ( ما نالت مني قريش شيئا اكرهه حتي مات أبوطالب ) وبعد أن اشتد الأذى على النبي صلي الله عليه وسلم في مكة لم يستسلم لقريش ولا لجبروتها بل بدأ يبحث عن منافذ أخري للدعوة خارج مكة , فتوجه إلي نبي ثقيف في الطائف عارضا نفسه عليهم ليحموه ليبلغ دعوة الله كما دعاهم للإسلام , إلا أن هؤلاء صدوه ووقفوا في وجه الدعوة بل سلطواعليه سفهاءهم ليرموه بالحجارة فرموه بالحجارة حتى دمية قدماه الشريفتان . 
فعاد من الطائف وهو أكثر صلة وإيمانا بالله حيث قال : ( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني علي الناس يا أرحم الراحمين , أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلي من تكلني إلي بعيد تجهمنى أم إلي عدو ملكته أمري , إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ) . 
انظر وتأمل هذه الثقة المطلقة بالله تعالى في كل أوقاته صلى الله عليه وسلم , وعندها جاء جبريل , ومعه ملك الجبال كما هو معروف في كتب المغازى والسير . 
وقال له إن معي ملك الجبال لو شئت لا طبقت عليهم الأخشبين , فكان رد المربي الرحيم المبعوث رحمة للعالمين : (لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ) فداك نفسي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ., تأمل هذا الموقف التربوي النبوي البعيد كل البعد عن الذاتية والشخصانية التي لا تنتصر لنفسها مهما وقع عليها من ظلم أو حيف . 
ومما يستفاد من هذه الحادثة أيضا إن صاحب الهدف السامي لا بد له أن يبحث عن البدائل مهما أغلقت إمامه الطرق ولا يستسلم عند اشتداد الضغط عليه من أعداء الله وأعداء الدعوة . وإننا مهما حاولنا استقصاء جوانب الهجرة وما فيها من دلالات تربوية لن نصل إلي منتهاها ولكن حسبنا أن نشير إلي جزء منها وفي ذلك عبرة لمن اعتبر واَخر ما يمكن أن يذكر في أحداث ما قبل الهجرة عرض النبي صلي الله عليه وسلم نفسه علي القبائل في موسم الحج قائلا لهم : ( من يؤويني لأبلغ دعوة الله ) وكان هذا الفعل يضايق قريشا فكانت تتعقبه , ولكن لما أراد الله للدعوة أن تنطلق خارج مكة هيأ الله لها بيئة أخرى صالحة فكان قبول (6) من الأنصار الإسلام في موسم الحج – علما بأن هذا قد كان بعد (11) سنة من البعثة – وفي هذا درس بليغ ( اذ وجدت الدعوة النصير خرج مكة بعد (11) عاما من الصبر , فلماذا يستعجل دعاة الإسلام تحقيق النصر بسرعة قياسية وإلا كانت الهزائم النفسية , وحدث الراجع والتشكك في موعود الله تعالي ؟ ! . وهذا لا يعني عدم حساب عامل الزمن في العمل التغييرى . 
وبعد عام من إسلام اؤلئك الكرام , كانت بيعة العقبة الأولى , التي كانت تضم (12) رجلا فقط , وكان في القوم عبادة بن الصامت واسعد بن زرارة ,اذ قال عبادة بن الصامت : ( كنت رجلا فيمن حضر العقبة الأولي وكنا اثنا عشر رجلا فبايعنا رسول الله صلي الله عليه وسلم علي بيعة النساء وذلك قبل ن تفرض الحرب ). 
وأول ما يمكن أن يقف عنده الدارس المتأمل هو نص البيعة حيث قال لهم النبي صلي الله عليه وسلم (فإن وفيتم فلكم الجنة )! فلم يربطهم بشي من حظوظ الدنيا وزخرفها بل جعل لبيعة خالصة لله تعالي والدار الآخرة حتى لا تتعلق النفوس بشيء من من متاع الدنيا وتختلط المبادئ والمقاصد العليا بحظوظ النفس و رغائبها وذلك يدل على وضوح الهدف من هذه البيعة ابتداء مع العلم بأنني لست أقول بتحريم ما يجوز من متاع الدنيا سواء في الإطار السياسي أو الاقتصادي بل القصد ان يكون التعلق الأول بالآخرة وما فيها ثم يأتي من بعد ذلك أمر الدنيا اذهي و سيلة موصلة للآخرة , وليست أصلا أو غاية تقصد عند الدعاة إلى الله تعالى. 
ومما يؤكد حرص النبي صلي الله عليه وسلم في أن لايعطي وعودا بالملك في مبتدء الدعوة حتى لا تنصرف النفوس إليها كما يوضح ذلك النص التالي حينما رد علي بحيرة بن فراس الذي سأل النبي صلي الله عليه وسلم الأتي : ( أرأيت إن نحن بايعناك علي أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ) ؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ( الأمر إلي الله يضعه حيث يشاء ) فقال الرجل : ( افنهدف نحورنا نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ؟ لا حاجة لنا بأمرك ) . 
وفي هذا دلالة واضحة لرفض الشروط المسبقة في مبتدء الدعوة التي تحتاج إلي من تقوده المبادئ السامية دون غيرها , مع أن الدعوة في مثل تلك الظروف كانت تبيح لهم أن يداروا أو يقولوا كلاما سياسيا حتى يتجاوزوا مرحلة الضعف – والله اعلم – وذلك حتى لا تكون هذه السنة للدعاة العاملين في حقل التغيير فيقعو ا في دائرة الشروط المسبقة التي لا قبل لهم بها مستقبلا وقد لا يملكونها أصلا . 
ولعل أهم حدث نختم به أحداث ما قبل هجرة النبي صلي الله عليه وسلم إلي المدينة هو حدث بيعة العقبة الثانية والتي سماها أصحابها بيعة الحرب على عكس البيعة الأولي التي سمية بيعت النساء . حيث اختلفت شروط البيعة ونصها , ويذكر إن هذه البيعة تمت في موسم الحج بمكة أيام التشريق , وحضرها مع النبي صلي الله عليه وسلم عمه العباس مع أنه كان على دين قومه , فكان مما قاله للأنصار إثناء انعقاد جلسة العقد والبيعة : ( يا معشر الخزرج – وكانت العرب تسمي هذا الحي من الأنصار : الخزرج –خزرجها وواسها – إن محمدا منا حيث قد علمتم , وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه , فهم في عز من قومه , ومنعة في بلده وانه قد أبي إلا الانحياز إليكم , واللحوق بكم , فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه , وما نعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك وان كنتم ترون إنكم مسلموه , وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الأن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده ) فقال الأنصار قد سمعنا فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت ) . تأمل كلام العباس رضي الله عنه ؟! , وهو على دين قومه كيف انه كان يحرص علي نصرة الدعة وحماية قائدها النبي ويتصف بالرجولة والشجاعة ؟! ومما يجدر ذكره أن الذي نص على أن بيعة العقبة الثانية هي بيعة حرب هو عبادة بن الصامت سمى الأولى بيعة النساء. فقال عبادة بن الصامت : ( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله , وان نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم ) . فكانت هذه البيعة مقدمة للنصر والفتح للمسلمين الذين عاشوا سنين الاضطهاد والتشرد والتعذيب , فبعد أن أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العهد من الأنصار أذن لأصحابه بالخروج إلي المدينة المنورة والتي أصبحت فيما بعد مقر الدولة الإسلامية وما هي إلا سنوات معدودات حتي غدت دولة النبي صلي الله عليه وسلم في المدينة تشكل مصدر تهديد حقيقي لقريش في مكة ولم يأت كل ذلك إلا بعد الصبر والتضحيات الجسام التي قدمها أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم من المهاجرين , إذن لن يبلغ أحد مهما قدم منزلة المهاجرين الأوائل الذين قال الله في حقهم : ” … لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل اؤلئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير ” الحديد /10 . 
فلم لا يستوون ياترى ؟ لعل أبرز ما يذكر هنا إن اؤلئك الصحابة الأوائل رضوان الله عليهم عندما ءامنوا لم تكن أمام ناظريهم أية بوادر تدل علي الانتصار والتمكين الا ما كان يقول لهم النبي صلي الله عليه وسلم – لكن بالحسابات المادية ليس هناك ما يؤكد لهم ذلك , وهذا يدل على عمق الإيمان بالله تعالى , ولذلك عندما علم الله في قلوبهم خيرا أنزل عليهم النصر والسكينة وأيدهم وفتح علي قلوبهم العباد والبلاد لهم فعلى الدعاة اليوم أن يقتفوا أثار اؤلئك الكرام ويصبروا علي طريق الدعوة الطويل مهما كانت العوائق . 
أما حدث الهجرة وما يشكله في التأريخ الإسلامي وكيف أن تأريخ العالم ومركز التوجيه خاصة في شبه جزيرة العرب تحول إلي المدينة بعد هجرة المصطفي صلى الله عليه وسلم وأصبح حدث يهز وجدان وكيان أي مؤمن عندما يتأمله , وذلك لما يحمله دلالات وبشائر النصر للإسلام والمسلمين بعد تلك السنين العجاف التي قضوها بمكة من التعذيب والتقتيل ولا يمك لهم النبي صلى الله عليه وسلم إلا دعوتهم للصبر والاحتساب وهم في غاية التعذيب . 
وعند تأمل حدث الهجرة يقف الدارس على جملة من الدروس التربوية والتنظية والحركية منها : 
1. طريقة خروج النبي صلى الله عليه وسلم وطريقة الإعداد واختيار الرفقة ( التخطيط ). 
2. كتمان السر إلي أخر لحظة حتى من آبي بكر الصديق رضي الله عنه . 
فالنبي صلي الله عليه وسلم وهو المعصوم والمؤيد بالوحي كان يمكن أن يخرج نهارا جهارا من مكة ويتجه إلي المدينة وفي وضح النهار ولكنه لم يفعل ذلك بل مكث (3) أيام في غار ثور حتى يضلل القوم ولا يلاحقوه وفي ذلك درس بليغ لسالكي طريق التغيير من الدعاة الذين يؤمنون بالصخب والضجيج والمظاهرات غير المؤسسة والمجدية التي لا تقوم على أرضية صلبة . 
3. عدم اليأس والقنوط من بلوغ الأهداف والغايات مهما طال الطريق أو استطال ومهما قدمت فيه من تضحيات مادية أو معنوية فإن الأمر كله لله في هذا الكون وليس لأحد أن يدير أمور الكون : ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك علي كل شيء قدير ) آل عمران / 26. 
4. الصبر وبذل التضحيات حتى يتحقق النصر والانتصار فإن النصر يسبقه الانتصارعلى الذات والنفس , وليعلم العاملون أن لا نصر بدون صبر وبذل أغلى ما نملك من دماء وأوقات وكرائم الأموال والأعمار . 
5. الصدق والوفاء بالعهود والمواثيق التي قطعناها على أنفسنا. 
6. التوكل علي الله حق التوكل . 
7. الثقة التي لا شك فيها في موعود الله بالنصر لعباد الرحمن في نهاية المطاف ( ويومئذ يفرح المؤمنين بنصر الله ينصر من يشاء ) . 
8. ايجاد العمق الاسترايجي الشعبي الذي يحمي الدعوة ويقدم لها كل ما تحتاجه من نصرة وولاء وفداء . 
9. الاستعانة بالسرية والكتمان . 
10. تحقيق شرائط النصر ومطلوباته من مثل الإيمان العميق بالفكرة والتخطيط الدقيق وسرعة الحركة والتنظيم وتحديد الأولويات ضمن الاستراتيجية الكلية وتحديد مركز ودوائر الصراع وتصنيف الأعداء والخصوم تصنيفا دقيقا وعدم فتح النار في كل الجبهات . 
إن جيل التأسيس وطلائعه ينبغي أن يكون همها دائما نحو الهدف السامي والدار الآخرة ولا تتطلع إلي الدنيا وزينتها. 
كانت تلك أهم ما يمكن أن أشير إليه من نقاط ودروس مستفادة من حدث الهجرة , ولكن لكل دارس يدرس حدث الهجرة قد يخرج بفوائد غير هذه إذ أنها كتاب مفتوح يمكن الاستفادة منها في وكل الأوقات وبزوايا نظر مختلفة . 
فعلى العاملين للإسلام أن يتعرفوا على خرائط التغيير وطرقه ويسعوا بالدين في جاهدين لإيجاد قوالب يمكن أن يحققوا من خلالها أهدافهم بصورة مدروسة . 

ملاحظة : تم نشر أصل هذه المادة في محرم 1423هـ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.