وقفات مع قرارات ملتقى الحوار الوطني بقلم / محمد عمر مسلم



قال شيخ الإسلام :» العبادة « هي اسم جامع لكل مايحبه الله ويرضاه : من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ، فالصلاة والزكاة ، والصيام ، والحج ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وبر الوالدين ، وصلة الأرحام ، والوفاء بالعهود ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة. 

ولو كان يتوقع هذا البعض ( الاتجاه المعاكس للملتقى ) نجاح الملتقى لما تخلف عنه لا ليشارك في النجاح، بل ليعيق النجاح، ومن النجاحات التي تحققت في هذا الملتقى الاتفاق على جعل الحوار وسيلة إستراتيجية لحل المشكلات مهما تعاظمت، ما أكد على وعي ورقي وحضارة هذا الشعب، أيضا من نجاحات الملتقى أنه ترك الباب مفتوحا ليلحق من تخلف في المحطات القادمة، وهي رسالة إيجابية تجاه الاتجاه المعاكس، الذي أخذ موقفا غير مسئول من الملتقى الوطني، علما أن الحملات غير المسؤولة لعبت دورا إيجابيا في نجاح الملتقى حيث لم تترك أمام المشاركين سبيلا غير سبيل النجاح. بعد تلك المقدمة سأتناول بعض القرارات التي خرج بها ( إعلان أديس أبابا ) وهي بالجملة قرارات تؤسس لتغير حقيقي، ووحدة وطنية، وسلم اجتماعي، وهي ليست بالقرارات النهائية، ولكن تمثل بدايات صحيحة لنهايات ينشدها الشعب الإرتري، بدايتي ستكون بالقرار الذي كثر حوله الكلام وهو القرار الثالث في النسخة العربية لإعلان أديس أبابا، (إن الوحدة الوطنية لشعبنا وسيادته التي ترسخت إبان الكفاح المسلح أصبحت اليوم عرضة للمخاطر بسبب سياسات النظام الديكتاتوري التي خلقت اضطهاداً قومياً في إرتريا، وبما أن مسألة القوميات لا تنفصل عن قضية الوحدة الوطنية وعن الحقوق الديمقراطية، أكد الملتقى على حقوق القوميات ومساواتها و ضمان حق تقرير المصير للقوميات في دستور إرتريا الديمقراطية الحديثة) . أولا النظام أخذ في ظلمه واضطهاده للشعب بعدا قوميا وآخر طائفيا، فكان في ظلمه واضطهاده قوميا لأنه أقصى وهمش وحرم القوميات الأخرى من حقوقها المشروعة، كما كان طائفيا في ظلمه واضطهاده للمسلمين لأنه نالهم الكثير من الظلم والاضطهاد، هذا لا يقلل مما حل بالمسيحيين من ظلم ومعانات على يد النظام الدكتاتوري، فكان لتلك الممارسات تداعيات خطيرة على الثقة بين مكونات المجتمع وعلى الوحدة الوطنية التي ترسخت مضامينها إبان الكفاح المسلح ، ثانيا يتفاوت موقف القوميات من النظام الدكتاتوري بناء على حجم الظلم والاضطهاد الذي نالها، ما أدى إلى تفاوت مواقف تلك القوميات تجاه النظام، وهذا ملموس ومشاهد في ساحة المعارضة في مواقفها من النظام بعدا وقربا. ثالثا الوحدة تضررت والثقة لم تعد كما كانت في السابق، والسبب النظام الدكتاتوري الذي أساء للثقة والوحدة في آن واحد، إذ جعل من الوحدة الوطنية حصان طروادة لأجندته الطائفية الاقصائية، فلم تعد شعارات الوحدة الوطنية تطرب القوميات المضطهدة والمظلومة والمحرومة من حقوقها المدنية والسياسية رابعا بالنظر إلى الواقع المظلم الذي خلفه النظام، سيبقى المستقبل في نظر البعض مجهولا ومخيفا خاصة في ظل تدهور الثقة بين أقطاب المعارضة، الأمر الذي جعل البعض يتساءل عن الضمانات لعدم تكرار تجربة الجبهة الشعبية في الحكم؟ أعتقد أن لا أحد يملك الجواب الفوري لجهل ما ستسفر عنه الأحداث عمليا بعد زوال النظام، ثم هل يكفي ضمانا لعدم تكرار تجربة الشعبية مجرد تبني الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة نظريا كما هو الحال الآن ؟ أحدهم يقول إن تجارب العالم الثالث في هذا الجانب ليست مشجعة وليست مطمئنة، ونحن لسنا استثناء في ذلك، ما يجعلنا نحتاج إلى ضمانات دستورية لحفظ وضبط مسيرة التعايش السلمي في المستقبل، حتى لا نعود ثانية إلى المربع الأول الذي نهرب منه الآن، وطلب الضمانات الدستورية أيا كانت طبيعتها لا تقدح في وطنية طالبيها أو معارضيها، والأصل عند الاختلاف في مسألة الضمانات الدستورية الرجوع إلى صاحب الحق ( الشعب ) ليقول كلمته في تلك الضمانات عبر استفتاء مباشر أو عبر ممثليه من النواب، وعندها كلمة الشعب هي الفصل فيما أختلف فيه، فآليات الحسم الديمقراطية عند الخلاف عامل مساعد في غلق باب المزايدات التي تفت في عضد الثقة والوحدة بين مكونات الشعب في آن واحد. بسبب المرارات والجراحات والمخاوف التي خلفها النظام الدكتاتوري في نفسيات المضطهدين والمظلومين، رفع البعض مستوى الضمان إلى إثبات حق تقرير المصير في الدستور، ولي قولان في هذه المسألة، القول الأول إذا كان هذا الضمان ينتهي بالكيان الإرتري، إلى الدولة الاتحادية ولا يشكل خطرا على وحدتها السياسية فهذا مرحب به ومقبول من غالبية المعارضة وهذا النوع من الضمان يعرف باللامركزية الدستورية وهو ما نص عليه ( إعلان أديس أبابا ) كأحد قرارات ملتقى الحوار الوطني ( اعتماد نظام الحكم اللامركزى الدستوري ) أما القول الثاني إذا كان هذا الضمان ( حق تقرير المصير للقوميات ) سينتهي بالكيان الإرتري إلى دويلات قومية هنا وهناك على حساب وحدة الكيان الإرتري شعبا وأرضا، فهذا ما لا تقبله الغالبية العظمى من الشعب الإرتري الذي ضحى بالغالي والنفيس من أجل الحفاظ على وحدة أرضه. حق تقرير المصير في المواثيق والمعاهدات الدولية يعطي حق المقاومة للشعوب والأمم ضد المحتل الأجنبي لتقرر الشعوب بنفسها مصيرها في شتى المجالات، لذلك نصت المواثيق الأممية على كلمة الشعوب والأمم بدلا من ( القوميات ) لكونهما أعم وأشمل، فالقومية في حقيقة أمرها مغلقة في عرق ولغة وثقافة واحدة بينما الشعوب والأمم الأصل فيها الانفتاح بين مكوناتها المختلفة، يقول محمد عزيز شكري (وهكذا عاد تقرير المصير القومي للانبعاث أو يكاد. وهو لو أطلق على غاربه سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار في العلاقات الدولية، فما من دولة في عالمنا المعاصر يمكن أن تضم قومية واحدة. لذا يمر تقرير المصير وممارساته حالياً بامتحان بالغ الخطورة إذا حل الشعب بالمعنى القومي محل الشعب بالمعنى السياسي والقانوني في ممارسته ) وهنا لفتة فلو فتح مجال تقرير المصير للقوميات على مصراعيه داخل الوحدة السياسية لتلاشت الدولة وعمت الفوضى ما يشكل تهديدا للوحدة السياسية داخل إقليم الدولة، لذلك الدول التي نصت في دساتيرها على حق تقرير المصير للقوميات حتى الانفصال وضعت بالمقابل في دساتيرها من الشروط والقيود ما يحد من حمى الانفصال داخل إقليم الدولة، ولعل أهم تلك الشروط أن يحصل طلب الانفصال على موافقة غالبية الشعب، يقول محمد عزيز شاكر ( أما من حيث مظهره الداخلي فإن حق تقرير المصير هو حق أغلبية الشعب داخل الوحدة السياسية المقبولة وفقاً لمبادئ القانون الدولي في ممارسة السلطة (دولية أو إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي) لإقامة شكل الحكم والمؤسسات الوطنية بصورة تتلاءم ومصالح هذه الأغلبية ولا يتضمن حق تقرير المصير الداخلي حق الانفصال، إذ ليس للأقليات[ر] حق تقرير مصير يمكنها من أن تحتج به للمطالبة بانفصالها عن إقليم الدولة. ذلك أن ما يرتبه القانون الدولي هو أن تصان حقوقها عن طريق التزام الأغلبية واحترام حقوق الإنسان ) يفهم من هذا أن إمضاء حق تقرير المصير حتى الانفصال بيد غالبية الشعب وليس بيد الجهة الطالبة للانفصال، لأن القانون الدولي في هذه المسألة مع حق غالبية الشعب في إمضاء أو عدم إمضاء الانفصال وفق ما يحدده الدستور، خاصة إذا انتفت أسباب ومبررات هذا الانفصال، علما أن حق تقرير المصير داخل الوحدة السياسية لا يعطي بحال للأقليات حق الانفصال، ولكن يعطيها حق صيانة حقوقها المدنية والسياسية داخل الوحدة السياسية، ففي الحالة الإثيوبية نجد أن الدستور وضع شرطا قبل البدء في إجراءات الانفصال ليمارس الشعب الإثيوبي حقه الدستوري تجاه طلب الانفصال رفضا أو قبولا بحصول الطلب على موافقة ثلثي المجلس التشريعي الممثل ( لقوميات وشعوب إثيوبيا ) ويعرف بمجلس نواب الاتحاد، وتمثل القوميات في هذا المجلس بشخص واحد، ويضاف لها شخص مقابل كل مليون، ما يجعل عملية الانفصال بالغة الصعوبة في جانبها العملي، وبهذا الشرط الدستوري أكد وأمن الشعب الإثيوبي على وحدة إثيوبيا أرضا وشعبا، مع ترك باب تقرير المصير حتى الانفصال مفتوحا كضمان ومخرج لفك الارتباط بالتراضي وفق الشروط المحددة في الدستور عندما يستحيل التعايش والتفاهم بين طالبي الانفصال و حكومة الاتحاد، لأسباب موضوعية استعصت على الحلول المعمول بها في مثل هذه الحالات، كما أنه لأمر بالغ الصعوبة حصول أي قومية على ثلثي المجلس التشريعي من الناحية العملية. والآن بالعودة إلى الفقرة محل الجدل (ضمان حق تقرير المصير للقوميات في دستور إرتريا الديمقراطية الحديثة ) قبل إعطاء رأي في المسألة أحب التأكيد على أمور منها: أولا اتفاقنا على وسيلة الحوار لحل مشكلاتنا، لا يعني بالضرورة اتفاقنا حول حلول القضايا المطروحة على طاولة الحوار الوطني، ثانيا من حق أي جهة طرح ما تراه حلا أو صوابا فيما يخص الشأن الوطني، وإن رأى فيه الآخرون خلاف ذلك، ثالثا بعد إعمال آلية النقاش لتقليب الأفكار وتلاقح الآراء، علينا إعمال آليات ديمقراطية للخروج بنتيجة النقاش، فهناك قضايا يتم حسمها بعد النقاش بآلية التوافق، أو بآلية الأغلبية، وهناك من القضايا ما يتطلب الإجماع أو قريبا منه لحسمها، عليه فان تصنيف القضايا المطروحة للنقاش والحوار من حيث طبيعتها وأهميتها ودرجة حساسيتها وعلاقتها بالثوابت الوطنية سيكون عاملا مهما في نجاح حواراتنا الوطنية المقبلة. رأي في مسألة ( ضمان حق تقرير المصير للقوميات في دستور إرتريا الديمقراطية الحديثة) أي قضية ستضمن الدستور الكلمة الفصل فيها للشعب أو من يمثله دستوريا وقضايا مثل تقرير المصير هي من القضايا التي تنتظر ليقول الشعب كلمته فيها، وكل ما يسبق تلك اللحظة في هذه القضية هو نوع من الحوار والنقاش يساعد في بلورة المفاهيم القانونية والسياسية لمبدأ تقرير المصير داخل الوحدة السياسية والتعرف على أشكاله والوقوف على تطبيقاته في الدول التي لها سبق في هذا الجانب، وما يجري الآن من نقاشات حول فقرة تقرير المصير هو نوع من الحوار نحتاجه خاصة إذا كان موضوعيا ومتعقلا ومنصفا، خوفي على مسيرتنا الوطنية ليس من الخلاف المبدئي حول قضايا الوطن، بل الخوف من طريقة إدارة خلافاتنا بما يخدم النظام الدكتاتوري، الفقرة بصياغتها الحالية لا تعني حق الانفصال بل تشمل أشكالا أخرى من حق تقرير المصير كنظام الحكم اللامركزي الدستوري الذي أقره الملتقى، إضافة إلى أشكال أخرى هذا ليس مجال ذكرها، وجميع تلك الأشكال قائمة على مبادئ صيانة الحقوق السياسية والمدنية لمكونات المجتمع، من خلال إقامة نظام حكم عادل يمكن القوميات من إقرار وإدارة شؤونها بنفسها، دون أن يعني ذلك انفصالا عن إقليم الدولة، أما إذا قصد من تقرير المصير حق الانفصال فلابد من إضافة كلمة الانفصال حتى يستقيم المعنى، ولو رجعنا إلى الدستور الإثيوبي نجده نص على حق الانفصال ولم يكتفي بعبارة حق تقرير المصير للقوميات كما جاء في المادة ( 39 ) حقوق الأمم والقوميات والشعوب (لكل أمة وقومية وشعب في إثيوبيا لها الحق غير المشروط في تقرير المصير، بما في ذلك الحق في الانفصال ) ما دفعني للإتيان بذلك أن الفقرة فهمت على أنها الانفصال دون غيره، لذلك أخذت جميع الردود منحى الرد على انفصال قادم، وكأن الأمر سيحدث اليوم قبل غد ما أفقد بعد الردود موضوعيتها لأنها غلبت العاطفة. الطارح لمشروع تقرير المصير مكون أصيل من مكونات المجتمع الإرتري، هم العفر أصحاب قدم السبق في حرب التحرير، و أصحاب القدح المعلى في البذل والعطاء والتضحية، وهم من أكثر الناس مقاومة للنظام عسكرا وسياسيا، وهم أكثر الناس ظلما واضطهادا وقتلا وتشريدا على يد النظام، ثم يأتي بعد هذا مشكك يشكك في حب العفر لوطنهم أرضا وشعبا، طرح العفر لحق تقرير المصير ليس حبا للانفصال إن هم قصدوه فعلا، ولا زهدا في إرتريا الموحدة أرضا وشعبا، ولكن لأنهم يعيشون أزمة ومحنة حقيقة على يد النظام الدكتاتوري الذي استهدفهم في مقومات وجودهم أرضا وشعبا ودينا وثقافة، الأمر الذي جعلهم يفكرون في ضمانات دستورية،ستكون لهم ولغيرهم إذا ما أقرت من الشعب الإرتري، فليس من العدل والإنصاف والحكمة التعاطي مع الطرح بنوع من الاستهجان والتخوين والاسترهاب، المصلحة الوطنية تستوجب حسن الاستماع لمبرراتهم ومحاورتهم ومناقشتهم بالحسنى، فلعلهم يقنعوا الشعب بطرحهم أو هم يقتنعوا بوجهة مخالفيهم، وفي الحالتين نكون قد حافظنا على الثقة والوحدة بين أبناء الوطن، خلاصة كلامي في هذه النقطة أن من طرح قضية تقرير المصير، أو من استنفر ضدها، كلهم مخلصون لإرتريا وشعبها، وأن مع كلا الطرفين وجه من الحقيقة وبالحوار المخلص على مختلف المستويات سيصل الجميع إلى حلول تلقى القبول لد صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في مثل هذه القضايا( الشعب )، من حق أي جهة شاركت في الملتقى تسجيل تحفظاتها مع بيان أسباب ذلك في محاضر الملتقى، أما البيانات الاستدراكية بعد الانفضاض مع احترامي وتقديري لأصحابها، شكلت عبئا على الثقة والوحدة التي جسدها الملتقى الوطني وكانت سببا في تجاذب غير إيجابي، كما صارت ورقة في يد من يصطاد في الماء العكر ورأينا حرص البعض على استنطاق تلك البيانات لحاجة في نفسه، قضايا مثل قضية تقرير المصير تحتاج إلى حوارات متواصلة وموسعة حتى تتبلور الفكرة وتتضح معالمها، وهذا منوط بالمثقفين والمفكرين والساسة والقانونين من أبناء الوطن، ليضعوا الشعب أمام حقائق وأبعاد وأشكال تقرير المصير ليقول الشعب كلمته على علم ودراية بحقائق وخلفيات حق تقرير المصير للقوميات، ثم إذا الجميع متفق على أن قضية تقرير المصير لا يمكن حسمها في ملتقيات حوارية، لماذا نجعل منها قضية انصرافية تبعدنا وتشغلنا عن قضايا جوهرية مهمة مثل الإعداد لمؤتمر وطني جامع، يحتاج منا إلى تضافر الجهود تنظيمات ومنظمات ومثقفين ومفكرين لنصل جميعا خلال عام إلى المؤتمر المنشود، ولعل فقرة تقرير المصير تنال حظها من النقاش في المؤتمر القادم فتتضح معالمها ومراميها وبدايتها ونهايتها، فلما العجلة إذن ؟ وكل عام والجميع بخير وعيدكم مبارك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *