تكامل الجهود الإسلامية والوطنية بقلم استاذ/محمد عثمان


لم تكن حركةُ الإسلام وعطاؤها المدرار عبر مسيرتها التاريخية الحافلة في بلادنا بمعزل عن هموم طوالع المحن السياسية التي تعرض لها الوطن في مختلف الحقب المتتابعة فقد عبر كل جيل عن مساقات تحدياته الراهنة وفق سنن معطيات زمانه ومكانه وواجهها بما يناسبها من آليات عصره وإمكاناته

وبذلك ظلت الرؤية الإسلامية حاضرة في ساحة الفعل منفعلة وموصولة بالهم السياسي إلى جانب تربية الناشئة على صحيح الدين وتزكية نفوس العامة بالإصلاح العقدي والثقافي تحقيقا لقول الباري جلّ شأنه :(فأعلم أنه لا إله إلا هو ) فكانت البدايات بالعلم قبل القول والعمل لأنه السبيل الأوفى لحصول المعرفة بشتى مقاماتها وأسماها وأعلاها رتبة معرفة حق الله جل جلاله بتحقيق وحدانيته وتفرده بالكون عبودية ومكانة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم إتباعا وإجلالا،كما ينبغي بجانب ذلك الإصلاح الذي يقتصد حماية مصلحة العقل كي لا تظل أسيرة الشرك و الخرافة والبدع والهوى التي تحجب نور العقل وتشل أداء وظائفه في الحياة ظل هم الإصلاح السياسي وارتياد ساحاته شاغلا ضمير الحركة وحاضرا في فعالها ولأجله ظلت متصلة بإنسان الداخل و الخارج راغبة في تكامل الجهود مع كل عامل غير خامل باسطة إمكاناتها المادية والبشرية كلما ازدادت هموم الوطن وتبدلت أحواله وتجددت أهواله . ولئن جاء التعبير عنها في ظل الحركة الإسلامية المعاصرة أكثر وضوحا وأقرب نضجا في كثير من القضايا والمواقف الراهنة لأن ما تيسر للجيل الحاضر من علوم ومعارف ورصيد مقدر لا يستهان به من عموم تجارب سابقة ولاحقة نحسبها هادية وعاصمة من الوقوع في متاهات مسارات الضلال السياسي المبين. فجيل الحركة الإصلاحية الحديث الذي يتصدى لهمنا الحاضر هو في تقديرنا مدرك لطبيعة الأرض والإنسان وما يحكمها من علاقات اجتماعية وثقافية وما يحتمه ذلك الوعي البالغ من تكاليف ضريبة التميز والاحتساب المنوطة على عاتقه ولذا نجد تراتيبه السياسية تنطوي على كثير من الوسطية المستوعبة لتحديات زمانه وخصوصية مكانه وحساسية محيطه المحلي ونطاقه الدولي بمنطقية معقولة تستند إلى هدايات الشرع ومقاصده في طريق الدعوة والإصلاح المتدرج : (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ). وقوله جل شأنه موجها ومعلما (كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا) ولقد بين سبحانه منهج الإصلاح وسبيله على لسان نبيه شعيب عليه السلام وهو يخاطب قومه ويدعوهم: ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله) . وانطلاقاً من ذلك الهدي المبين الذي نستنير به في دروب الإصلاح الحياتي يمكن للناظر أن يستشف إن غاية ما تسعى الحركة لتحقيقه من خلال مبادئها يمكن تلخيصه فيما يلي: أولا: تحقيق السلام والاستقرار الوطني والنفسي بين كافة مكوناتنا الاجتماعية والثقافية. ثانيا: ضرورة أن يأخذ الدين مكانته الريادية عقيدة وشريعة في سائر تشريعاتنا الوطنية باعتباره قانوناً موجها للحياة بكل وظائفها. ثالثا: أن تتبوأ اللغة العربية مكانتها الطبيعية باعتبارها إحدى محددات هويتنا الوطنية والثقافية . رابعا: أن تأخذ إرتريا موقعها الطبيعي في محيطها الإقليمي ووسطها الإسلامي و العربي وأن تكون عنصرا فاعلا في مجتمعها الدولي. خامسا : التوجه نحو قضايا العصر ومتطلباته الأساسية من التنمية البشرية والعمرانية لبناء الوطن والإنسان الإرتري على أسس متكافئة وحديثة. سادسا : اعتماد ركيزة مبدأ التداول السلمي للسلطة من خلال إتاحة فرص التعبير للجميع إعمالا للمبدأ الشرعي(ألقوا ما أنتم ملقون ) وذلك بطرح القوى السياسية ما لديها من برامج سياسية و إصلاحية لكافة مناحي الحياة ليتم التنافس تقدما أو تأخرا على أساسه ومن ثم يرضى كل بنتائج سعيه ( ومن بطئ به عمله لم يسرع به نسبه ) .ومن كان يروم ببرنامجه فسادا فلا الناس تختاره ولا الله يصلح حاله ومآله بل سيبطله : (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) وفي نهاية المطاف يكون البقاء للأنفع حالا والأصلح مقالا ومقاما :(فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض). وجُلّ تلك المبادئ لا تجافيها غالبية القوى الوطنية المعارضة ضمن أجندتها السياسية مما يجعل عملية التلاقي والتواصل والاصطفاف الحاشدممكنة ومتيسرة في شكل أحلاف عامة أو أطر تضامنية خاصة وهو مؤشر جميل نحو رجاء الاستقرار المنشود إن روعي ونما في الوسط المعارض . لأن مواجهة ظروف حقبة ما بعد الاستقلال تقتضي من عامة الطيف السياسي المعارض أن يكون وعيه وفعله بقدر مستوى نوازل زمانه التي فاجأت الجميع بنظام حكم وطني جهول ومكابر مستبد يسنده واقع الضعف والتشرذم لسائر القوى الوطنية المعارضة ويوظف في مواجهتها الآلة العسكرية والأمنية الناتجة عن مدّ قوى الثورة الشعبية العارمة التي أرغمت المستعمر البغيض على مغادرة التراب الارتري خاسئا حسيرا ليحتكر هذا المجهود الوطني العظيم لصالح فئة تتخذ من الفحش والفتنة والإحن منهجا وسلوكا تراهن به البقاء سلطانا قاهرا لإرادة شعب حرّ باسلٍ ما لانتْ له يوما قناة أمام مستكبر ومعاند. والحركة الإصلاحية لم تكن وليدة نزوات طائشة ولا رغبة نحو سلطة جامحة وإنما هي إحدى طرائق المغالبة الدالة على علو الكعب لهذا الشعب وشاهد على إبداعاته الجسورةوتجلياته الحيوية المتجددة التي تجعله يلبس لكل معركة دروعها ويأخذ بمهندها وأسباب نصرها كلما تجددت صور الابتلاءات وعظمت ضريبتها في النفوس والأموال ؛ فهي هبة الأرض والإنسان مما يجعلها فخرا وذخرا للجميع لما قامت به من مجاهدات ظاهرة قاهرة استحقت بها أن تتبوأ مكانة الصدارة في مناهضة الدكتاتورية باكرا ولا تزال قائمة بعهدتها تؤديها بوفاء صادق رغم عظم طحين المعركة وطنينها الذي ينال من روائع النفوس و كرائم الأموال وأغلى الأزمان فهي تقوم مدركة لواقعها مقاربة وتسديدا بأدوار في رسالتها الإسلامية وواجباتها الوطنية دون أن تحدث ضجيجا أو نزاعا داخل الصف الوطني الذي بدأ يتراص سويا لإنهاء ظاهرة الدكتاتورية ومعاقل الفحش والفتن والنزاعات والإرهاب بشتى صوره الذي ينتهجه أفورقي ورفاق دربه ومن لف لفهم من ذوي الضغائن والهوى الذين لم يدركوا مآلات فعالهم ومواقفهم على مستقبل الوطن وسلامة أهله. فالحركة قوة وطنية معتبرة في نطاقها ينتظم فكرها وتنويرها قطاع عريض في أوساط شعبنا بمختلف مستوياته الحياتية والثقافية ناهيك عن ثلة من المحبين والمتعاطفين ممن حبسهم الظرف خارج صفها فهم يرون في وجودها للشعب ردءً بل شعارا ودثارا ولباسا (ولباس التقوى ذلك خير). وإذا أضفنا البعد الآخر المتمثل في ذخر الآخرة تكاملت الصورة لأن العضو الحركي يرجو من وراء التزامه بخطها الفوز بحسن المقام وخير المنقلب في الدارين. ولمن ينتابهم الريب في مسارها نقول إن قوة كتلك لا يستغرب من سعيها وفعالها المسدد والمقارب لجهود القوى الوطنية المعارضة سواء في تدبيرها السياسي المحافظ على مظلة التحالف الوطني أوفي تضامنها في كتل هادفة ذات أوزان معتبرة فاعلة تقوية لتجربة التحالف المعارض بعين ترنو نحو استقرار مستقبل واعد فهي مواقف عاقلة ناتجة عن قراءات ناضجة. وجملة ما يطلبه ويتمناه المواطن البسيط أن يعم بلاده السلام والأمان بغض النظر لمن يكون الأمر والنهي من بعد ليرجع المهاجر والمبعد قسرا إلى موطنه ، وينعم من بقى في مسكنه بسلام ليمارس حياته الطبيعية كغيره من خلق الله الذين استقرت بهم الأوطان نتيجة حكمة قياداتهم الوطنية ووعي كياناتهم السياسية والمدنية بإعطائهم للسلم الاجتماعي مكانة وأولوية لقيمته في الحياة وهو أمر ما لم ندركه سويا ستطول بنا رحلة البحث عن لقمان الحكيم في الوسط الارتري وهو ما ينبغي أن نسر به أو نجهر لمنسوبي سائر قوانا المعارضة السياسية منها والمدنية خاصة وهي قد أنجزت مهام ملتقى حوارها الوطني الجامع كأول بادرة تنم عن مستوى عالي من النضج في الفعل المقاوم والذي يأمل في مخرجاته أن تكون نقلة نوعية في مسار الخط المعارض ودافعاً ومحركاً نحو عملية التوافق الوطني التي باتت من الضرورة بمكان قبل تغيير نظام الحكم لنستقبل رحيله بوفاق تام لأن العبرة بمآلات الأمور ونهاياتها عليه يرجى من كافة قوى التغيير والإصلاح السياسي أن تضع في حسبانها ضرورة عملية التوحد والوفاق نحو تكامل المجهود السياسي والمدني الإسلامي منه والوطني وصولا لمقام السلام الاجتماعي المطلوب لأن الريادة والسيادة للباحثين عنها لا تتم في وسط مشتت مغلوب ،فالانتصار الحقيقي في تقديرنا إنما يكون بقدر ملامستنا لعوامل الاستقرار الوطني ومكامن التماسك السياسي والتعاضد الاجتماعي في بلادنا من خلال تحديدنا لكبرى المشكلات التي تؤرق الجميع منذ أمد بعيد لنشرع سويا في علاجها بسلوك أقرب السبل وأفضل طرق الحل ولوجا . والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وكل عام وانتم بخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *