الدعوة السلفية وأثرها في الإصلاح الاجتماعي أ/ محمدعثمان


ظلت بلادنا عبر تاريخها الطويل متأثرة بجانب واقعها الاجتماعي والثقافي والسياسي بما يجري حولها من تحولات في المنطقة العربية والإسلامية وهو ما يؤكد وشائج القربى من خلال التماهي الثقافي والتلاحم الاجتماعي الضارب جذوره في التاريخ ويدعم الاتجاه الساعي لربط البلاد بمحيطها الطبيعي الذي لا انفكاك عنه كدعامة ضامنة لعوامل تماسكها واستقرارها في الحاضر والمستقبل فما من تغييرات تلوح في أفق تلك المنطقة إلا وهبت نسائمها على بلادنا الحبيبة ولوكره المبطلون .

فمن تلك الدلائل في الماضي القريب نجد بروز الدعوة السلفية وإندياحها في وسطنا الاجتماعي وحضورها بقوة في ساحاتنا العلمية والثقافية منذ أربعينيات القرن الماضي باعتبارها إحدى حركات التجديد الإصلاحية والتحررية التي انتظمت بشائرها في وطننا الإسلامي والعربي على أيدي دعاة تلك المرحلة من المصلحين . وأهم ما ميز هذه الدعوة في سابق عهدها تركيزها التام على قضايا تحرير العقيدة الإسلامية مما شابها عبر عوامل البلى من الخرافة ومظاهر الشرك والهوى ليتوجه العبد لخالقه بعبودية خالصة من غير اتخاذ وسائط أخرى بل توكل أوحد تحقيقا لقول الباري جل ذكره ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين )الآية ومن سماتها إرشاد العامة نحو تعظيم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وحفظ مكانته ومعرفة مقامه وإجلاله دون تأليهه بل اعتباره خاتم الرسل المبلغ عن ربه جل جلاله شرائع الإيمان والهدى للناس كافة بشيراَ ونذيراَ. ومن سماتها أيضا تقدير أهل العلم والعلماء واهتمامها بطلاب المعرفة وتحذيرها من ولوج سبل البدع والضلال تحريرا للعقل المسلم مما يعطل وظائفه في العطاء والإبداع . ومن جميل صنيعها غرس معاني الأخوة الصادقة وكريم الخصال بين أتباعها وقيام الولاء على آصرة الدين وفق منهاج أهل السنة والجماعة مع الرحمة بالمجتمع والعيش في رحمه وكنفه ومحاولة التأثير عليه برفق في الدعوة والإصلاح بعيداَ عن الخروج والانعزال برفع ألوية الجاهلية شعاراً ومساراً . وكان من وسيلة انتشارها توفيرها للكتاب في مجال العقيدة والتوحيد والسيرة والفقه ليكون قريبا من الجميع في أجمل تلخيص مفيد ووجيز مع مراعات الصياغات لسهولة الفهم والاستيعاب العام فكانت جموع غفيرة عقلتها كما قصد مؤلفوها رحمهم الله تعالى . ونُجل فيها صبر أئمتها ودعاتها على مشاق الطريق ووعورته وحبهم للخير ونفعهم للناس عبر مؤسساتهم الدعوية والتربوية والخدمية التي كانت منارات هدى للقاصدين في نطاق انتشارها فتباركت الجهود حيث اتسعت الدعوة وزالت غربتها ونالت قبولا فانفتحت لها القلوب ووجدت رواجا كبيرا بين كافة قطاعات المجتمع شيوخا وشبابا رجالا ونساءَ فبنيت المساجد وأقيمت الصلوات جماعة وانعقدت حلق العلم والذكر فتلاحمت النفوس وتصاهرت البيوت وتلاقحت العقول وعرفت درجات الحديث الصحيح وعلت مكانة السنة وإن قمعت رايات البدع والضلال وعرفت أحكام الشريعة وانتشر الحجاب وتبوء داعية التوحيد والإصلاح مكانة في النفوس عندما اتسعت منابع المعرفة حيث شيدت المعاهد العلمية والدينية والمدارس الأكاديمية ومراكز تحفيظ القرآن الكريم وتدرج طلاب العلم في سلم المعرفة بشتى فنونها ومقاماتها ولمس ذلك لدى الجميع في مستوى حياتهم ومعاشهم ونسأله سبحانه أن يدخر لنا ولهم طوبى و حسن المعاد . وبذلك تطورت الدعوة في مجالات عملها ونطاق اهتماماتها فشارك دعاتها منذ فجر الثورة في هموم الوطن وتطلعات أهله إلى أن جاءت حركة الإصلاح كنقطة هامة من محطات التطور الذي شهدته هذه الدعوة على أيدي الجيل المعاصر الذي تخرج في مؤسساتها ومعاقلها الأصيلة يحدوه الأمل في أن يبلغ بها تمام مرادها في مجالات البناء والإصلاح الاجتماعي الشامل لجميع شعب الحياة في وسطية أهل السنة عند تمثل المنهاج (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ). وقضايا الإصلاح التي تتصدر هموم الحركة اليوم نتيجة الظرف الوطني الراهن هي مندرجة ضمن مجالات الدعوة التي لا يمكن إغفالها بحال من الأحوال وهو ما يتطلب منا جميعا استيعاب تراتيبها وابتداع وسائلها المتجددة والمتعددة نهوضا بالدعوة في مجال عملية التزكية والتربية لأنها هي صمام أمان لتقدم الدعوة وازدرها ومباركة جهودها وتوسيع نطاقها بتنويع مواعينها وهو ما ينبغي أن يوليه الأئمة والدعاة بالغ اهتمامهم كسابق عهدهم في جهدهم وجهادهم لأن حركة الإصلاح هي المؤسسة الرسمية والتاريخية المنوط بها حمل هذه الدعوة ورعاية مصالحها لما تمثله من بعد دعوي واجتماعي حمل هم هذه الدعوة ورسالتها عبر تاريخ مديد قياما بالبلاغ المبين . ولعل المحافظة وتمام البناء يقتضي في المقام الأول الذكر والشكر لواهب النعم العلي الكبير الذي لولاه لما سلك المرء سبيل الرشاد ثم النظر في ماضي الدعوة وحاضرها لنضع الأمور في نصابها الصحيح عند تقييم جهودنا الدعوية والإصلاحية فقد تحقق خير كثير في نظر العارفين والشاهدين لبدايات الدعوة في زمان غربتها يومئذ فبرغم شح الإمكانات المادية وقلة النصير مضت عملية الإصلاح و ظل الاضطلاع نحو المجتمع بمهام الدولة رعاية عند غيابها وتنصلها عن أهم وظائفها الاجتماعية والخدمية . وجملة ما تحتاجه الدعوة اليوم من أبناءها الصبر على ضريبة مسيرتها ورعايتها في النفوس والتي تتجلى في عظمة مكانتها ورفعة شأنها المتمثل في الاعتزاز بالانتماء إليها دعوة وجماعة وترجمة ذلك في المخبر والمظهر عبادة و بالسعي الدائم والداعم للحفاظ على منجزاتها ومؤسساتها ومتطلبات تطويرها والتي تحققت عبر جهود أجيال مضنية أخذت من الوقت والأنفس والأموال نفائسها بذلت في زهد رائع زلفى لله وطمعا للفوز بجنته وحلول رضوانه (ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ). والله من وراء القصد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.