الدستور الانتقالى وجدلية الصراع الارترى بقلم/ أحمد نقاش*


ان الساحة السياسية الارترية مشغولة هذه الايام بالوثائق التى اعدتها اللجنة السياسية للمفوضية الوطنية الارترية للتغيير الديمقراطى،والتى طرحتها على مائدة الجماهير الارترية التى من حقها ان تناقش هذه المسودات اضافة وحذفا وتعديلا .وبالفعل بدا النقاش حول الاوراق الاربعة

وهى : 1- الميثاق الوطنى السياسي للمجلس الوطنى الارترى 2- خارطة الطريق للمسيرة السياسية 3- النظام الاساسي للمجلس الوطنى الانتقالى 4- الدستور الانتقالى . النقاش حول الاوراق الثلاثة لم يكون موضع خلاف او لم تتباين فيه الاراء ولم ترتفع فيه الاصوات، الا الورقة الرابعة وهى مسودة الدستور الانتقالى تباينت فيها الاراء واشتد فيه النقاش وارتفعت فيه الاصوات ومن لا يتعمق فى الامور قد يعتقد ان المسالة لا تخرج عن الوضع الطبيعى فى الاخذ والعطاء ،ولمن يريد ان يتعمق قد يجد نفسه فى الجدل الوطنى القديم المتجدد. والغريب فى المسالة إن الجدل ليس حول مضمون ومفاهيم الدستور ليته كان كذلك، لكن الجدل لماذا هذا الدستور ؟ ومن اعطى الحق للمفوضية او للمؤتمر المزمع عقده اقرار الدستور الانتقالى ؟؟ ومن اعد هذا الدستور هل ارتريون ام غيرهم؟؟ وهذه الاسئلة تأتى لان الدستور هو من يحفظ الحقوق ومن يبين الخطوط على الاقل من الناحية النظرية ،لكن لماذا مثل هذه الاسئلة ومن اى هاجس تنطلق لمعرفة هذه الهواجس والتحسس من اقرار الدستور الانتقالى فى هذه المرحلة علينا ،العودة الى عمق جدلية الصراع السياسي الارترى. لانها اسئلة ليس لها علاقة البتة بواقع الدستور فى حد ذاته لكن لها علاقة بمخزون الصراع التاريخى الذى يتمحور دائما بين { الفكر الاقصائى والحقوقى والوفاقى} . لإضاح هذه الاصطلاحات التى استخدمتها اكثر من مرة فاليسمح لى القارئ ان اعود به قليلا الى التاريخ …. عند بدأ الحراك السياسي الارترى فى اربعنيات القرن الماضى فى ظل الاحتلال البريطانى ظهرت على السطح كثير من الاحزاب السياسية ابرز هذه الاحزاب هى : 1- حزب الوحدة مع أثيوبيا {اندنت} والنخب السياسية لهذا الحزب كانت فى معظمها من {المسيحين التقرينية} وكانت تمثل قمة الفكر السياسي الاقصائي – اى اقصاء الطرف الوطنى الاخر – وافكار هؤلاء كانت تتمحور فى محاولة الانفراد و الاستحواز على مقاليد السلطة، وإقصاء كل الثقافات والتنوع الاخر من اجل سيادة ثقافة واحدة ولغة واحدة فى بلد متعدد الاعراق والثقافات، وعند ما علموا استحالة تحقيق هذه الاهداف بمفردهم اتخذوا سياسة ضم ارتريا الى اثيوبيا الامبراطورية بعد ان وعدتهم هذه الاخيرة بتمكينهم من مقاليد السلطة فى الاقليم الارترى،ومن اهم وسائل اقناع الشعب من اجل تحقيق الوحدة لجأ حزب الاندنت العزف على المشاعر القومية والدينية،وتخويفهم من إخوانهم فى الوطن.بل مارسوا الارهاب المنظم ضد كل من ينادى بتحقيق الوحدة الوطنية والمطالب بالاستقلال الكامل للتراب الارتري . 2- حزب الرابطة الاسلامية والنخب السياسية لهذا الحزب كانت تمثل الفكر السياسي الحقوقى، – اى المطالبة بالحقوق فى الوطن – بمعنى كانت تطالب بحقها فى الوطن والحياة دون اقصاء احد لذا كانت تتمحور مطالبها فى تحقيق الاستقلال الكامل لارتريا، وجل نخبها السياسية كانت من ابناء المسلمين فى عموم البلاد فى المنخفضات والمرتفعات على حد سواء،ومن ابرز وسائلها كانت تخويف اتباعها من ان الانضمام الى اثيوبيا سيجعل منهم رعايا بلا حقوق تذكر قياسا على اوضاع المسلمين فى اثيوبيا الامبراطورية فى تلك المرحلة،فضلا عن المميزات التاريخية والثقافية لارتريا عن اثيوبيا. 3- حزب التقدميين الاحرار ،ومعظم نخبه السياسية كانت تتكون من ابناء {المسيحين التقرينية} على وجه التحديد من اقليم { اكلى قوزاى }والوطنيين المسحيين من المناطق الاخرى وهذه النخب كانت تمثل الفكر السياسي الوفاقى – أى التعايش السلمى بين ابناء الوطن فى ظل ارتريا مستقلة – بإعتبار انها كانت ترفض الانضمام الى اثيوبيا الامهرية وبتالى كانت تفضل الاستقلال فى ظل الوفاق ما بين طرفى الوطن الارترى.ومن ابرز وسائلهم كانت العزف على المشاعر الاقليمية والمصالح الوطنية الا ان المشاعر الدينية وتهديد الحرمان من الطقوس الدينية التى اجاد استخدامها حزب الوحدة عبر {الاب مارقوص}اخذت منهم الكثير من اتباعهم،وهذا الحزب شكل فيما بعد مع الرابطة الاسلامية والاحزاب الارترية الاخرى ما عرف فى التاريخ الارترى {حزب الكتلة الاستقلالية} هذا الخط الثلاثى هو الذى يسود الى الان فى صراع الفكر السياسي الارترى بادراك او من غير ادراك لانه قابع فى المخزون التاريخى مهما ادعى الكثير منا التحرر والانفلات منه، وهذه المنطلقات نجدها حاضرة دون استأذان ومن غير سابق انظار كل ما اردنا اعطاء كل ذى حق حقه. اختلاف المسميات وتغيير الالوان، لاحزابنا وتنظيماتنا لم تشفع لهم بالتحرر الكامل من هذا الشك التاريخى الذى اضاع اليقين ، وبتالى يمكن ان نعتبر هذه الخطوط معيار ومقياس لحرارات المشهد السياسيى الارترى.ونهج المفوضية الوطنية الارترية للتغيير الديمقراطى الان هو اقرب للواقع الارترى وهى فرصة للمعالجة الحقيقية لاشكالية الوطن الارترى وإعادة الثقة فى المكونات الوطنية، هذا اذا ما استمرت المفوضية فى نهجها الذى انتهجته لنفسها بنجاح الى الان . وبالعودة على الدستور الانتقالى للمفوضية يمكن القول : بداية ، موقع مسكرم وهو اقرب فى طرحه الاعلامى الى لسان الحال الفكر الاقصائى، حيث وصف الدستور الانتقالى لمجرد ظهوره بانه منقول من دستور لبنان وحماس … -انظر الى الوصف- وإعلام البالتوك جعل موضوع الدستور الانتقالى الشغل الشاغل لسهراته السياسية المفتوحة… واذاعة اسنا ثلاثة ايام متتالية بتاريخ 1-3-5 أغسطس 2011 اجرت حوارات مطولة حول هذا الدستور الانتقالى. يمكن الاستماع الى الحوار من خلال الرابط التالي : http://www.assenna.com/index.php/media/voice-of-assenna.html كل هذا الاهتمام والضغط الاعلامى المكثف لم يأتى من فراغ إنما يأتى فى اطار التباين السياسي فى ارتريا من جهة ، و عدم التخلص من تأثيرات موروثات الماضي من جهة اخرى. وهذا الضجيج الاعلامى قد يكون مقبول مادام نسعى لتحقيق الديمقراطية وهى ظاهرة صحية فى اطارها الاعلامى ، الا ان الخوف ان يؤثر هذا الضجيج على اصحاب القرار السياسي والادارى أى {المفوضية } بحيث يؤدي بهم الى التراخى فى مسالة الدستور وهذا التخوف يأتى مما لاحظته فى الكثير من الاجوبة المتباينة، ونخشى مستقبلا ان تلغى مسألة الدستور الانتقالى برمتها او تأجيلها الى اجل غير مسمى وهذا لم يحدث حتى الان ونرجوا ان لا يحدث. الا ان سحابة الخوف لازالت عالقة فى سماء المفوضية الوطنية الارترية لان ايجاباتها كانت متباينة بل دفاعية بدل وضع النقاط فوق الحروف ، البعض منها لجأ فى ايجابته الى نظرية الفلسفة السوفسطائية التى ترتكز على التلاعب بالالفاظ ، وقد يلجأ الساسة الى مثل هذه الحالة لسببين 1- اما لعدم وضوح الرؤية السياسية لديهم فى المسألة المطروحة والمختلف حولها وتلك طامة كبرى. 2- واما لمحاولة ارضاء الجميع بصرف النظر عن صحة اوعدم صحة المسألة المختلف حولها هذا يعتبر هروب الى الامام . والسؤال الذى يطرح نفسه لماذا كل هذا الجدل حول الدستور الانتقالى وما اهميته ؟ للاجابة لابد لنا ان نستعرض التجارب الدستورية فى ارتريا . ظهر فى الساحة السياسية الارترية الى الان ثلاث دساتير وهى : 1- الدستور الارترى لعام 1952 اى الدستور الفيدرالى الذى اقره البرلمان الارترى المنتخب بعد جهد جهيد وكان هذا الدستور متوازن فى مراعات مصالح الشعب الارترى لانه تم اقراره بالتوافق العام وبالتالى اكد على الثوابت الوطنية الارترية ومنه اخذت الثورة الارترية مشروعيتها فى الكفاح المسلحة وبالتالى حافظت كل فصائل الثورة الارترية على الثوابت الوطنية التى كانت فى الدستور الارترى البرلمانى ،وعندما سيطر اصحاب الفكر الاقصائى ” الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا” على الساحة الارترية ضربوا عرض الحائط بتلك الثوابت واعتبروا دستور عام 1952 مجرد صنيعة اجنبية اممية ، لماذا ؟ لانه تضمن الثوابت الارترى التى توافق عليها الاباء والاجداد واكد على الثنائية الثقافية واللغوية وعلى التدوال السلمى الديمقراطى للسلطة فى ارتريا. 2- دستور عام 1997 الذى تم اعداده تحت مراقبة رجال الفكر الاقصائى على رأسهم السيد أسياس افورقى ، صحيح الدستور كان فيه ملامح ديمقراطية لكنه احرق كل الثوابت الوطنية من غير دخان ولا نار وصفق لهذا الدستور اصحاب الفكر الاقصائى وسكت عنه اصحاب الفكر الوفاقى، واما اصحاب الفكر الحقوقى تركوا الامر للايام ولسان حالهم يقول ” دع الايام تفعل ما تشاء وطيب نفسا اذا حكم القضاء ** ولا تجزع لحادثة الليالى فما لحوادث الدنيا بقاء” الا ان الرجل القوى فى اصحاب الفكر الاقصائ “السيد افورقى” عطل الدستور بكلمة شفهية وجعله فى الصندق مع اخيه كتيب ” نحن واهدافنا” والمؤسف يحاول البعض الى الان التمسك به على اساس انه الدستور الارترى – رغم ان هذا الدستور لم يستفتى فيه الشعب اصلا – لان هؤلاء يعرفون ما يريدون لكنهم لا يكلفون انفسهم لمعرفة ما يريده الشقيق الأخر فى الوطن المشترك . 3- مسودة الدستور الانتقالى للمفوضية الوطنية للتغيير الديمقراطى وهى عبارة عن مسودة لتقديمها للمؤتمر القادم والدستور مازال طفل يحبو واصحاب الفكر الاقصائى لا يريدون لهذا المولود ان يرى النور، لماذا ؟ لانه يحمل الجنات الوراثية لدستور عام 1952 لإحتوائه على الثوابت الوطنية وفي مضمونه كل المواصفات العصرية والاليات الديمقراطية بصرف النظر عن الصياغة والطباعة والترجمة. هكذا كل ما اراد صاروخ الوفاق الوطنى فى الانطلاق تأتى جدلية الصراع الارترى للحيلولة دون انطلاقه والمفوضية الوطنية الارترية للتغيير الديمقراطى واللجنة السياسية على وجه التحديد على المحك ان تقدمت بمولدها الشرعى نجت وأنجت الوطن معها وان تقهقرت تحت ضجيج اعلام البالتوك وسموم مسكرم تكون وأدة اهم انجازاتها … فى تلك اللحظ يمكن القول “وإذا الموءدة سئلت بأى ذنب قتلت “؟ ahmednagash@yahoo.com * كاتب و ناشط سياسي ارترى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *