هل يمكن أن تعود ارتريا الي الحظيرة الاثيوبية ؟ بقلم / صالح كرار


في ظل ربيع الثورات العربية وتطوراتها المتلاحقة ظلت قضية المعارضة الإرترية بعيدة عن بؤرة الاهتمام الإعلامي الضعيف أصلاً في تسليط الأضواء عليها رغم وضوح عدالة مطالبها وقربها لقضايا العالم العربي في معاناة الدكتاتوريات المتسلطة

تحضرني هذه القصة التي درسناها في المناهج الدراسية ، وقد ارتاب البعض من مؤتمر المثقفين الارتريين في اديس ابابا . وصوره البعض بالوان شتى وتناولته اقلام النقد ؛ فبدى وكأنه يراد به ان يكون نسخة من ذلك المؤتمر الالماني … وكأن الاثيوبيين يقولون : تعالوا يا مثقفين حيث لم يُجد السياسيون وتعثروا – ملاحظة لكثرة اللوم للتجمع والمعارضة – تعالوا وقولوا كلمة تستوقف السياسيين ، تسائلهم هل لكم في البدائل ؟ هل لكم في الآفاق الجديدة ؟ هل لكم تصور مشترك أم كل تصوراتكم مقفولة معزولة ؟ . ولست بصدد الحكم علي المؤتمر وأهله ومن وراء ذلك ، فقد أفاض اخوة في ذلك فبينوا وأوضحوا بغض النظر عن راي في تلك الآراء . لكني اتسائل وقد طرقت تلك الهواجس كثيرا مخيلتي :هل يمكن أن تستعيد اثيوبيا ارتريا فعلا وتجعلها إقليما منها كما كانت ؟ . دافع السؤال الاساسي أن الاثيوبيين يلوحون بالاسترجاع . والحكومة الارترية تحذر من كيد الاثيوبيين بالاسترجاع . والشعب الارتري بينهما في حيرة . ثم أن الارتريين يملكون الارادة القوية في الاستقلال بوطنهم حكومة أو معارضة . لكن لا يملكون القرار الحاسم في ذلك ولا يملكون آليات ذلك القرار ، والمعارضةأو بعضها أحسن حالا في هذا المجال من النظام وهو سبب إجلائها وتعويمها في الفراغ . وليس هو حال خاص بالارتريين وإنما معظم شعوب العالم الثالث ما تملكه من قراراتها المصيرية نسبي وصرح مسئولون عرب كثيرا بذلك . وسأحاول مناقشة السؤال اعلاه من وجهين : اولا : أسباب وبراهين إمكانية عودة ارتريا الي اثيوبيا . ثانيا : أسباب وبراهين عدم الامكانية . يختلف الارتريون اليوم في إمكانية احتمال عودة ارتريا الي اثيوبيا أوعدم العودة ويُوجد كل فريق مبررات وإحتمالات مختلفة وهو ما دفعني للقراءة في الخطوط البيانية لذلك ، فربما المقارنة بين الفرضيات قد تساعد في فهم بعض الطلاسم التي نرتاب منها ونحاذر . اولا : إحتمالات العودة الي إثيوبيا 1. طموح الإثيوبين في استعادة ارتريا وخاصة المعارضة الاثيوبية بأطيافها ، اهداف غنية عن التعريف . 2. عدم إجتماع الصف المعارض الارتري علي تصور مشترك لمستقبل ارتريا ، وقصر النظر المعارض او انحساره علي ازالة النظام وإقامة التعددية ودولة القانون وهي أهداف سياسية لا تجتمع في هوية الدولة وتتخبط في قضايا تقرير مصير القوميات والحكم المركزي والفيدرالية وقضايا مصيرية اخرى خارجية وداخلية تميّع وتشوش علي مقومات الكيان الارتري المستقل – وإن وجدت بعض الاوراق الجادة إلا إنها في طور التكوين ولا يحكم عليها أنها محل اجماع – ومن اهم اسباب عدم اجتماع المعارضة ما يُظن في الاختراق الخارجي للصف المعارض والتملية على البعض وتحريك الظلال , وما يقرره الاخرون يختلف عن ما يطمح اليه الارتريون وقد كانت “الاندنت” سبب شقاء الارتريين بما فيهم الاندنت نفسها . 3. بناء النظام الارتري هيكل الدولة الثقافي تجرينيا اي اصبحت اللغة التجرينية لغة الدولة وهي لغة مشتركة مع اللغات الاثيوبية كتابة واشتقاقا ، وهو ما يجعل الاثيوبيين يقرون بالهوية الاثيوبية للارتريين . بل وان التقرينية في نظر الاثيوبيين لاترقى ان تكون ثقافة دولة ولذلك يقرون الامهرية جمعا للصف الاثيوبي ؛ اي ان الشعب الارتري لايملك ما يبرر به انه شعب يستقل بذاته عن اثيوبيا لاثقافة ولا أرضا ومن باب اولى لادينا ولاسياسة ….الخ. وكانت حجة الثورة في البداية ان العربية هي الثقافة الموحدة للشعب الارتري وان تاريخ ارتريا منعزل ومختلف عن التاريخ الاثيوبي وان مستقبل ارتريا مرتبط بمستقبلها الثقافي الجغرافي التاريخي الذي يتفاعل معه الشعب الارتري ويندمج فيه وينمو حقلا ضمن حقوله المتوازية ويؤثر ويتاثر . 4. تآمر القوى الخارجية التي ترى في ارتريا المستقلة مخاطر جمة علي مصالحها وخطورة الامر تكمن في انغماس النظام في الاشكالات الدولية . 5. دور المنظمات الدولية السلبي والمبرر لهذا الارتباط وما تسمى بالمنظمات الانسانية – وهي منظمات كنسية خالصة – و التي ترتع في ارتريا بلا رقيب . 6. تمادي النظام الحالي علي الفصل العنصري داخل المسيحيين الارتريين اغرى بالتفاضل اثيوبياً وارترياً علي الاحقية السيادية في ارتريا . 7. ملل الارتريين من الدواران دائما في المربع الاول وكذلك القوى الاسياسية الداعمة لهم . ضمن هذه الفرضيات وغيرها حتى لو لم تفكر الحكومة الاثيوبية هناك احزاب ذات وزن في المعارضة او متحالفة مع الحكومة ترى اعادة ارتريا ضرورة وحدوية واقتصادية وسيادية بالنسبة لاثيوبيا , وطبعا ربط ارتريا باثيوبيا من جديد لن يكون الغاءً استفزازيا مثيرا او اسلوبا مرتجلا متعجرفا كما يستنتج من تصريحات المعارضة الاثيوبية بل سيتخذ طريقا متعرجا اذا تم وينتهي الي حالة من حالات الفيدرالية او الكونفدرالية ربما مرورا بالصوملة او بدونها ؛ كما كانت تعرجات الخط البياني السابق من الاربعينات الي ستينات اوتسعينات القرن الماضي . فكما ان الاثيوبيين لايختلفون في استعادة ارتريا حكومة او معارضة باي صورة متاحة فانهم يفترض او اعتقد ان لا يختلفون في اي كان شكل العودة مثل جمهورية مستقلة داخل جمهورية اثيوبيا , او الحكم الفيدرالي أو الكونفدرالي . وهو ما بدا يلاحظه الارتريون كناية عن صفة او موصوف او اشعارا صريحا وهدفا معلنا . ثانيا : احتمالات عدم قدرة اثيوبيا علي استعاة ارتريا . وليست هذه الاحتمالات بأقل قوة من سابقتها ومنها : 1. ان الشعب الارتري شديد المراس لا احد يستطيع ان يفرض عليه تقرير مصير لا يرتضيه ولو كان الارهاب يجدي لاستكان لنظام هيلي سلاسي ومارس افورقي ما عجز عنه فرعون ولكنه مازال يتقلص حتي وصل الي الهاوية لا يجد مناصا منها ونبذه القريب قبل البعيد . خاصة ولهذا الشعب موقف من الانتماء الي اثيوبيا أو ثقافة التجرنة أن تزيل هويته وترهن مصيره ، فهو شعب رغم كبر نسب الامية فيه واعي وصبور وهو ما جعل اعدائه يعتمدون المكر والكيد لا المواجهة . 2. أن المعارضة الارترية اذا وجد فيها من يجامل او يماليء الاثيوبيين اليوم جهلا او ارتهانا لمصلحة سياسية آنية مؤقتة لا يمكن ضمان وبقاء هذا الارتهان بالعودة الي اثيوبيا خاصة وأن في الوسط جراحات وحروب وسّعت فيما بين ارتريا واثيوبيا . 3. إذا كان النظام الارتري قد وسع من عوامل التفرقة بين الشعب الارتري وشرده عن ارضه ؛ فإن عوامل كثيرة قد ساعدت الارتريين في ترسيخ الهوية الثقافية والانتماء الي الوطن الواحد ؛ كما يلاحظ الاجماع الشعبي العفوي الواعي في قضايا الوطن المصيرية ومستقبل البلاد ؛ وهي قوة كامنة ستحول دون مصادرة ارتريا او تقرير مصيرها بمنأ عن ارادة شعبها . 4. ان المعارضة الارترية الفاعلة قوة لا يستهان بها وهي قد تختلف في القضايا الثانوية لكنها بلاريب يد واحدة فيما يعني تحديد المصير . وهناك عوامل خارجية تحول دون استحواذ اثيوبيا علي ارتريا ويلاحظ في هذا المجال وجود خلافا ثانويا او غير جوهري بين الصهيونية والصليبة , فبينما تحرص الصليبية على الحفاظ على وحدة اثيوبيا وهيمنتها على المنطقة , نجد الصهيونية تحسبها وتبرمجها وفق ما تضمن به امنها القومي ومصالحها المتعددة دون ان يعني ذالك استهانة اسرائيل بالدور الاثيوبي . فالاسرائيليين تقع ارتريا ضمن اهتماماتهم الاولية والمصيرية ويضعون لها مسارات على حسب اتجاهاتهم وبعيدا عن حسابات الارتريين ؛ والدور الاسرائيلي في تحديد مصير ارتريا وارتباطها به لم يعد من المستور والمدارى عن الانظار فمن مصلحة اسرائيل ان تبقى ارتريا مستقلة عن اثيوبيا لاسباب كثيرة منها : 1. أن المساحة او الميادين التي يستطيع الارتريين اللعب فيها او الابواب التي يمكن ان ينفذوا منها في خدمة اسرائيل لا يحسن الاثيوبيين الوصول اليها . 2. يٌبقي الارتريين شواطئهم حكرا علي الاسرائيليين بينما ستجلب اثيوبيا منافسين غربيين بسبب التزامات اثيوبيا المفتوحة والواسعة . 3. من مصلحة اسرائيل استقرار ارتريا علي نظام تابع تحصد من ورائه كل خام افريقيا السلعي بينما اذا جاء الاثيوبيون ستضطرب الاوضاع وتزول كل المصالح او بعضها . 4. النظام الحالي ادائه مميز بالنسبة لاسرائيل في الوطن العربي وافريقيا وغيرهما لا يمكن استبداله فإن كان ولابد ينظر الامر بعد زواله . وفي اعتقادي هذا سر الخلاف الغربي الاثيوبي من جهة والاسرائيليين من جهة اخرى ويستحيل حسب حساب مكاسب اسرائيل أن تراهن بارتريا او تتنازل عنها . وربما للتقريب بين الموقفين اعلاه ولترطيب الاجواء اكد افورقي حرصا شديدا للعودة الي منظمة الايقاد و هرول الي كمبالا التي تبنت طلب الاتحاد الافريقي بمعاقبتة من قبل مجلس الامن الدولي ، وراينا ذلك التملق الذي اظهره لموسيفيني بما يضعه في مكان قسيس يطلب منه تبرئته من ذنوبه ويفتح له صفحة جديدة في حظيرته ” ايقاد”التي ابق منها وشرد . – والعودة هذه و بهذه الحالة لا اشك في انها تستهدف الوصول الي الاثيوبيين او الاقتراب منهم ما امكن بعد فقد الحلفاء العرب الهالكين -. بالخلاصة : اعتقد ان الاثيوبيين سيركزون في الحصول علي ميناء عصب ؛ وهو مأرب غير خفي ، وستساعدهم في ذلك عوامل عدة ؛ كما ان اقرار المجتمع الدولي والغربي خاصة امر وارد وغير مستحيل . وسيحاول الاثيوبيون الامساك دائما بمقود عربة المصير الارتري اي يكون لاثيوبيا حضور دائم في القضايا المصيرية الارترية او قل التحكم في التيارات الارترية تحريكا او تثبيتا وتوقيفا . لكن التلويح باستعادة ارتريا سيبقى دائما عامل شدّ وتخويف وتهديد وليس جد وجديه مثل إضاءة بعض الوان الخطر . وكذالك يفعل النظام الارتري لاستشعار الارتريين بالخطر الاثيوبي كسبا للعواطف وبغية الاستمالة الي التاييد فضلا عن تجريم المعارضة المتعاملة مع اثيوبيا والقدح في ولائها الوطني . في اعتقادي ويقيني الاكيد لا يحزم الاثيوبيون في استعادة ارتريا وضمها من جديد الا اذا وجدوا الفرص المهيئه والتي سوف لن يتوقفوا عن البحث عنها ما امكن ؛ وسيركز اهتمامهم علي ايجاد نظام تابع مساير مجامل وهو انفع لهم واقرب ، فاستعادة ارتريا امر لا يخلوا من كثير من المتاعب والمخاطر في تحريك الداخل الاثيوبي نحو تحشيد جديد كما كان من قبل سببا في تحريك القوميات الاثيوبية للتحرر والثورات القومية ؛ اضافة الي ما يملكه الارتريون من اذرع طويلة في القرن الافريقي والشرق الاوسط تحول دون استقرار اثيوبيا . والله اعلم وماشاء الله كان وما لم يشاء لم يكن قال جل في علاه { وما تشآءون إلا أن يشآءالله ربّ العالمين } 81/29 صالح كرار salehkarrar@Gmail.com 2011-10-02

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.