رزنامة الأحداث :إرتريا : هروب جماعي .. سياسات عرجاء ..عزلة خارجية .. إدانات دولية إعداد عبدالله محمود


فبقراءة عجلى لتطورات الأحداث في البلاد خلال الشهر المنصرم واسقاطاتها على صعيد علاقاتها البينية مع دول الجوار والمجتمع الدولي يمكننا أن نتصور حجم التعقيدات التي تكتنف الأوضاع المأزومة أصلاً في إرتريا بفعل النظام القائم .
هروب متواصل
فقد شهدت الحدود الإرترية تواصل موجات الهروب الجماعي للإرتريين من مختلف شرائح المجتمع إلى دول الجوار وخاصة السودان وإثيوبيا حيث بلغ عدد الفارين إلى السودان خلال شهر سبتمبر أكثر من )900( إرتري بينهم) 78( من الإناث وجميع إفاداتهم تشير إلى الهوة السحيقة التي انحدرت إليها البلاد أمنياً وإقتصادياً وتعليمياً واجتماعياً وانحصرت الأسباب وسط المجندين منهم على الخدمة العسكرية غير المحددة بسقف زمني وما يصاحبها من إذلال عبر برنامج) السخرة( المنظم في مشاريع الحزب والجنرالات دون عائد مادي يذكر .
كما شهدت البلاد استئناف ظاهرة فرار كبار المسئولين من ضباط وموظفين ورجال السلك الدبلوماسي وكان آخرهم القنصل الإرتري في الهند ( تسفا يوهنس ) وهو مناضل قديم في صفوف الجبهة الشعبية منذ عام 1978م . كما أفادت الأنباء بهروب دبلوماسي يدعى بشرى ويعمل ضابط جوازات بسفارة النظام بالكويت .
خطل السياسية التعليمية
أما على صعيد خطل السياسة التعليمية للنظام فقد امتدت يد أفورقي إلى قمة الهرم التعليمي في إرتريا ( جامعة أسمرا ) ليصدر قراره الآثم بتفكيكها إلى عدة مجمعات أكاديمية وزعت على مناطق تنعدم فيها أبسط المعينات على التحصيل العلمي من اتصالات وإنترنت وغيرها ، وقد اتخذ القرار دون التشاور مع إدارة الجامعة وأساتذتها ، ودون الرجوع إلى أهل الاختصاص – كعادة رأس النظام – وقد تم تفسير القرار كخطوة ثأرية انتقاماً من المؤسسة التي وقفت في وجه النظام ورفضت تعليماته المتمثلة في مشروع العمل الصيفي الذي يمثل ( سخرة ) لا علاقة لها بالتحصيل العلمي في الجامعة بالإضافة إلى استصحاب عداء أفورقي المطلق للمثقفين والأكاديميين منذ مرحلة الثورة.
وعلى صعيد التعليم العام فقد أشار تقرير حكومي منشور في صحيفة إرتريا الحديثة بتاريخ 3 أكتوبر 2006م إلى أن معدل تسرب الطلاب في إقليم القاش بركه بلغ خلال العام الدراسي المنصرم نسبة 30% من العدد الكلي البالغ 105 ألف طالب ، وعزا التقرير ظاهرة التسرب لصعوبة الحياة المعيشية وبعد المدارس والفهم المتدني لأهمية التعليم لدى بعض أولياء أمور الطلاب .بينما عمد إلى إغفال الأسباب الحقيقية المتمثلة في التعليم بلغة الأم الذي يجد رفضاً متزايداً في مختلف مناطق إرتريا لعدم جدواه وإهداره للجهد والمال بالإضافة إلى ما انتهجه النظام من خطوة تعسفية بإلزام طلاب السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية بمعسكر ساوا وامتحانهم الشهادة الثانوية في ظروف تتعارض مع التحصيل العلمي ومن ثم إنخراطهم في سلك الخدمة القسرية غير المحددة بسقف زمني.
الغذاء مقابل العمل
وتشهد الأوضاع المعيشية تعقيدات بالغة وسط مخاوف من مجاعة محتملة في حال فشل الموسم الزراعي الحالي بينما استغل النظام الانفراج النسبي لعلاقاته مع السودان في فك ضائقته الإقتصادية بصورة جزئية فيما يتعلق بالوقود والذرة إلا أن كل تلك المعونات تتجه صوب الجنرالات وأتباعهم ولتعزيز القبضة الأمنية الباطشة بينما يرزح بقية أفراد الشعب في ضائقة متواصلة ، أما المعونات الغذائية التي الإتحاد الأوروبي فهي توزع ضمن برنامج ( الغذاء مقابل العمل ) الذي ابتدعه النظام مما أدى إلى توتر علاقاته مع الإتحاد الأوروبي .
و عوضاً عن تفكير النظام بمعالجات جذرية لقضية الفقر وسوء الأوضاع المعيشية يتجه منسوبو النظام للمعالجات الساذجة فقد قرر مدير مدينة بارنتو فرض غرامات تتراوح من 500-5000 نقفه على الذين يسرفون في ولائم الأعراس والمآتم وتذهب الغرامات إلى خزينة حكومته وذلك ضمن برنامج مكافحة الفقر.
إرتريا وإثيوبيا .. خطر الحرب ما زال ماثلاً
جدد أفورقي مؤخراً هجومه القاسي على إثيوبيا وقال ذراع الولايات المتحدة لتنفيذ إستراتيجيتها في المنطقة . بينما أبان رئيس الوزراء الإثيوبي ملس زيناوي أن مخاطر الحرب بين بلاده وإرتريا ما زالت ماثلة وأضاف ( أنه بالرغم من مرور الوقت فإن خطر الحرب ما زال محدقاً ) .
كما انفجرت الخلافات مجدداً بين الوفد الإرتري والإثيوبي في إجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 27 سبتمبر المنصرم حيث اتهم (نقاش كبرت) أسمرا بخرق قرارات مجلس الأمن واتفاقية الجزائر الموقعة بين البلدين بالإحتفاظ بقواتها في المنطقة العازلة وأضاف إن إرتريا تقوم بتقييد حركة قوات حفظ السلام وتمنعها من أداء مهمتها وتقوم باعتقال واحتجاز موظفيها ، بينما اتهم صالح مكي وزير الصحة وموفد ارتريا إلى اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة أطراف دولية في مجلس الآمن الدولي بتشجيع إثيوبيا على رفض قرار مفوضية الحدود طيلة الأربعة الأعوام الماضية ،وأضاف ” أن الإدارة الأمريكية هي التي تقف دون قرار ترسيم الحدود من خلال ابتداع ما يسمى بمبادرات جديدة لحل النزاع ” مبيناً رفض بلاده لهذه المبادرات بينما وصف (جون بولتون ) سفير أمريكا لدى الأمم المتحدة إتهامات إرتريا بأنها غير مفهومة .
إرتريا والمجتمع الدولي :
إرتفعت حدة التوتر بين إرتريا والأمم المتحدة على خلفية إتهام الأولى لخمسة من منسوبي قوات حفظ السلام بالتجسس وطردهم خلال( 24) ساعة من بلادها كما قامت باعتقال أحد الموظفين بزعم مساعدته لتهريب عدد من المطلوبين إلى خارج البلاد إلا أنها أطلقت سراحه تحت ضغوط المنظمة الدولية مؤخراً بعد أن مدد مجلس الأمن بعثته لحفظ السلام بين إرتريا وإثيوبيا لمدة أربعة أشهر مهدداً بتقليص حجم القوات بشكل أكبر إذا لم تحقق الدولتان تقدما فى ترسيم حدودهما .
وكانت إرتريا قد قامت في وقت سابق بتقييد حركة قوات بعثة حفظ السلام ومنعت مروحياتها من التحليق .
و موقف أسمرا من بعثة حفظ السلام لا يمكن عزله عن موقفها من الأمم المتحدة حيث وجه أفورقي مؤخراً إتهامات للمنظمة الدولية بأنها تخلت عن دورها وأصبحت أداة طيعة في يد الخارجية الأمريكية متهماً الإدارة الأمريكية بأنها ( تدس أنفها فيما لا يعنيها ) وأنها السبب لرئيس في عرقلة تنفيذ قرار مفوضية التحكيم الصادر بترسيم الحدود بين إرتريا وإثيوبيا كما اتهمها بتمديد فترة قوات حفظ السلام لفترة تجاوزت السنوات بينما كان مقرراً أن تبقى لفترة ثمانية عشر شهراً .كما يأتي إتهام موفد إرتريا إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لأمريكا بأنها شكلت عقبة أمام ترسيم الحدود في ذات السياق .
وتشهد العلاقات بين إرتريا والإتحاد الأوربي تدهوراً شديداً إثر تنفيذ برنامج ( العمل مقابل الغذاء ) ومصادرة (100) سيارة تابعة للمؤسسات الإنسانية الدولية .
وقال السفير جرت هايكنس أن المشكلة الأساسية في تعامل الإتحاد الأوروبي مع إرتريا هي طبيعة الحكم السائد وغياب الديمقراطية وعبر عن إستيائه للدكتاتورية التي يمارسها أسياس أفورقي .جاء ذلك في معرض حديثه ردا على السياسة التي يتبعها النظام في توزيع المساعدات التى يقدمها الإتحاد على المحتاجين ،.ويدرس الإتحاد الأوروبي قرار فرض عقوبات على إرتريا بسبب تصرفها في المواد الإغاثية وتوزيعها تحت برنامج الغذاء مقابل العمل ) لأن ذلك يتنافى وسياسات الدول المانحة للمساعدات .
ويتنامى الحراك المضاد للنظام الإرتري وسط عدد من الدول الأوروبية حيث تقدم ثلاثة أعضاء في البرلمان الإيطالي باستجواب عن موقف الحكومة الإيطالية من الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إرتريا التي وصفوها بالتدهور يوماً بعد يوم وأثر ذلك على ايطاليا التي باتت تستقبل ألاف الهاربين و قال وكيل وزارة الخارجية ( فيتوريو كراكس) بأن الحكومة الايطالية تتابع بدقة مايحدث في ارتريا وهي علي علم تام بطبيعة النظام الإرتري ،وأضاف إننا لا نتجاهل ما يتناهى إلي علمنا من ازدياد حدة التعذيب لسجناء الضمير من القادة السياسيين المعتقلين والصحفيين وحتى المنظمات الدولية غير الحكومية ومنها سبع منظمات إيطالية قد تم طردها في الفترة الأخيرة كما أبعد دبلوماسي إيطالي هو السكرتير الأول. أن هذا الوضع هو الذي أجبر المعارضة أن تمارس نشاطها في الخارج، وقال إن الحكومة الايطالية تتحرك بشكل فردي و مع شركائها في الاتحاد الأوروبي للضغط على النظام ليتحمل مسئولياته في إطلاق الحريات الأساسية واحترام حقوق الإنسان..
إدانات دولية :
أصدرت منظمة العفو الدولية ( أمنستى انترناشنال ) بياناً أدانت فيه الحكومة الإرترية التي لا تزال تحتجز عدداً كبير ا من المعتقلين السياسيين والصحفيين دون محاكمات مع وجود مخاوف وأنباء تتردد عن وفاتهم نتيجة لسوء المعاملة والتعذيب وجاء البيان تحت عنوان ( ارتريا بعد مضى خمسة سنوات : يظل أعضاء البرلمان والصحفيون رهن الاعتقال السري بدون محاكمة، مع وجود مخاوف من أن يكون بعضهم قد توفي في الحجز)
كما أصدرت منظمة صحفيون بلا حدود بياناً وجهت فيه انتقادات لاذعة للحكومة الإرترية ، على الإعتقالات التي طالت أعداداً كبيرة من الإرتريين منذ سبتمبر 2001م من بينهم (13) من الصحفيين ، كما أقدمت في ذات الوقت على إغلاق كافة الصحف المستقلة ، ووصف سجل إرتريا بالتراجع يوم بعد يوم في مجال الحريات.
أما لجنة حماية الصحافيين ومقرها( نيويورك) فقد صنفت إرتريا ضمن خمسة دول تمثل الأسوأ سجلاً في إعتقال الصحافيين وطالبت الحكومة الإريترية بإطلاق سراح الصحفيين المعتقلين في السجون الإرترية منذ خمسة سنوات دون أن توجه إليهم أي تهم في ظل الإجراءات الأمنية المشددة التي تتبعها أسمرا .
من جهتها جددت الخارجية الأمريكية في تقريرها السنوي عن الحريات الدينية في العالم لعام 2006م انتقاداتها لسجل الحكومة الإريترية في مجال الحريات الدينية وأبقت عليها في قائمة الدول المثيرة للقلق.
وقال التقرير، الذي يغطي الفترة من 1/7/2005م إلى 30/6/2006م وسلمت نسخة منه للكونغرس الأمريكي، إن الحكومة الإريترية لم تحسن ممارستها في مجال الحريات الدينية وأن هذه الممارسات صارت أسوء في بعض الأماكن. وقال التقرير إنها أيضا زادت من اضطهادها للطوائف الدينية غير المسجلة واستمرت في التدخل في شئون المسجلة. ويذكر أن إريتريا أضيفت للقائمة الأمريكية للدول المثيرة للقلق في مجال الحريات الدينية لأول مرة في عام 2004م وفي 2005م حيث أمرت وزيرة الخارجية بأن يفرض حظر على تصدير الأسلحة الدفاعية إليها. ويتوقع أن تتخذ الخارجية الأمريكية المزيد من العقوبات ضد الحكومة الإريترية حسب التقييم الوارد في هذا التقرير.كما صنف تقرير صادر عن مؤسسة( فريدم هاوس) بيت الحرية الأمريكية تحت عنوان ( أسوأ السيئين The worst of the worst) إرتريا ضمن أكثر مجتمعات العالم تعرضاً للقمع فقد حازت إرتريا على الدرجة ( 7 ) في الحقوق السياسية وهي الأقل درجة في سجل الحقوق كما نالت الدرجة ( 6 ) حسب تصنيف المؤسسة في الحريات المدنية وهي من النسب الأقل في هذا الجانب .
المعارضة الإرترية .. خطوات في الإتجاه الصحيح :
شهدت الفترة المنصرمة عقد المؤتمرات العامة لعدد من تنظيمات المعارضة الإرترية في مقدمتها المؤتمر العام الرابع لحركة الإصلاح التي تمثل رأس الرمح في مقاومة النظام ، حيث وضعت الأجوبة بكل ما يتعلق بإدارة التنظيم وعلاقاته البينية مع القوى المماثلة وكيفية حكم إرتريا مستقبلاً داعية إلى تعزيز العمل المشترك المتمثل في التحالف الديمقراطي الإرتري .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *